إسرائيل تضع الجيش في مواجهة الداخل... وتربط الانسحاب بنتائج التفتيش
“الخط الأصفر” و”منطقة ترامب الاقتصادية”
يمكن القول إنّ اللقاء البعيد من الأضواء، الذي تم في إسرائيل بين السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحضور السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، هو نقطة المقاربة الأميركية الحقيقيّة للمأزق الذي يتخبّط فيه الجنوب. طبعًا، لا معلومات عن فحوى الاجتماع. ولكنّ الخبراء ينكبّون على تحليل الخيوط الأساسية. فهذا الاجتماع تمّ في ظل ضغط أميركي “ناعم” على إسرائيل، لمنع الانزلاق بالجنوب إلى مغامرة عسكرية كبرى، قد تتسبّب في تقويض المفاوضات أو هيكل الدولة اللبنانية. وتقوم الرؤية الأميركية على إقناع إسرائيل بأنّ المراهنة على عامل الوقت هي الخيار الأجدى لتحقيق الهدف الأساسي، أي تفكيك قدرات “حزب الله”، خصوصًا مع انفجار المواجهة مجدّدًا مع طهران. فالحسم هناك سيقود تلقائيًّا “حزب الله” إلى أن يحسم خياراته في لبنان، ما يغني عن تفجير شامل يُضعف المؤسّسات الرسمية والجيش.
توحي المؤشرات السياسية الأخيرة بأنّ واشنطن، على الرغم من مواقفها المستاءة من تلكّؤ لبنان في ملف السلاح، ما زالت تلتزم الملف اللبناني بشكل فاعل، بل إنّ هذا الالتزام تحوّل إلى ما يشبه الإدارة الدقيقة والموزونة للوضع اللبناني. ومن هنا، جاء تحديد الأميركيّين موعدًا لجولة المفاوضات الثامنة في روما، يوميْ 15 و16 أيلول، على الرغم من الشكوك هنا وهناك. ومن الواضح أنّ تكتيك واشنطن في لبنان يقوم على “شراء الوقت” سياسيًّا والتبريد ميدانيًّا. وبعد روما، سيشهد المسار السياسي محطةً بارزةً، تتمثل بلقاء بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ورئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن، في 28 أيلول.
وسبق للسفير عيسى أن أعلن بوضوح، الأسبوع الفائت، أنّ واشنطن لا يمكن أن تطلب من إسرائيل الوفاء بتعهّداتها بالانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها، وأن توقف العمليات العسكرية، ما لم يبادر “حزب الله” إلى تسليم سلاحه ومواقعه إلى الجيش. وهذا الموقف يختصر تمامًا طبيعة التزام واشنطن بالصيغة الإطارية التي جرى التوافق عليها بين لبنان وإسرائيل. فالالتزام المطلوب، في المفهوم الأميركي، يجب أن يكون متوازنًا من الجانبيْن. وهذا الموقف قدّم تطمينًا إلى إسرائيل، خلاصته أن واشنطن لن تضغط عليها لوقف عمليّاتها ضد “الحزب”، ما دامت “تحت السقف”. أي إنّ إسرائيل تمتلك هامشًا واسعًا من الحركة في جنوب لبنان، شرط ألا تتسبّب بضرر للدولة اللبنانية أو بتخريب المفاوضات معها. وهذا يعني أن التوسّع من علي الطاهر إلى إقليم التفاح وجبل الريحان ليس أمرًا مرغوبًا فيه أميركيًّا، على الأقل في الوقت الرّاهن. والأفضل منح لبنان الرسمي هامشًا واسعًا من الوقت لحلّ هذه المسألة. وفي أي حال، واشنطن ستساعده.
في المقابل، لن يضغط الأميركيّون على إسرائيل للانسحاب من مناطق سيطرت عليها حتى اليوم، وجعلتها ضمن نطاق “الخط الأصفر”. فهذه المناطق ستبقى على وضعها حتى إبرام التفاهمات الكبرى. وهنا يذكّر بعض الخبراء بطرح إسرائيل فكرة تحويل المنطقة الحدودية العازلة إلى ما سُمِّيَ “منطقة ترامب الاقتصادية” (Trump Economic Zone). وقد جاء هذا الطرح في أعقاب قرار الحكومة اللبنانية تكليف الجيش وضع خطة لحصر السلاح، وكُشِف عنه خلال مشاورات باريس بين الأميركيين ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر. وجرى الترويج للمشروع أميركيًّا بوصفه حافزًا تنمويًا واستثماريًّا، بتمويل خليجي، لتعويض الدعم الإيراني وجذب البيئة الاجتماعية الجنوبية إلى الدولة. وهذه الفكرة التي استوحت فكرةً مماثلةً طُرحت لقطاع غزّة، لقيت أصداء إيجابية في واشنطن حينذاك.
الإسرائيليّون يتعاملون مع الطرح بصيغة يُراد منها تحقيق الأمن أولًا. وحتّى الآن، تُترجم إسرائيل هذه الفكرة ميدانيًّا بجعل المنطقة الحدودية نطاقًا خاليًا من السكّان، بعمق كيلومترات عدّة، لتصبح المظلة الاستثمارية ضمانًا للأمن. وقد اشترطت إسرائيل أن تُمنَح حرية التدخل العسكري وإقامة نقاط مراقبة ثابتة على مشارف البلدات الجنوبية، مع إحلال إدارة أمنية تشرف عليها شركات أو قوات أجنبية. وعلى الأرجح، خيار القوة البديلة من “اليونيفيل” يرتبط مباشرة بهذه الرؤية الأمنية، ما يعني تحويل “الحزام الأمني” التقليدي إلى مشروع “استثماري – أمني” ترعاه واشنطن. وفي ذلك، تحظى إسرائيل في الجنوب حاليًا بغطاء أميركي واضح، يُتيح لها الاستمرار في عملياتها، لكنّه يُبقيها مضبوطة سواء بمستوى التصعيد أو أهدافه أو نطاقه الجغرافي.
إذًا، الحدود واضحة. وعلى الأرجح، ستسعى جولات روما المقبلة إلى الدوران ضمنها: ستضمن واشنطن منع الانهيار الكامل للدولة والجيش في بيروت، لكنّها ستبقى صامتةً إزاء ما تفعله إسرائيل لاستكمال “المنطقة العازلة” التي ربّما تكون لها وظائفها الأمنية والاقتصادية والسياسية لاحقًا، إذا لم يجرؤ لبنان على كسر نمط التعاطي التقليدي مع الأزمة. وبذلك، سيبقى الملف بكامله رهن التسويات الإقليمية التي ستحدّد الشكل النهائي للجنوب، ولبنان بأسره.
طوني عيسى -”هنا لبنان”
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|