الحشيمي ردا على شارل جبور: ما يطرحه محاولة للهروب من المسؤولية
“العفو العام”: الجدل يتجدّد في اللّجان النيابيّة!
اجتمعت اللّجان النيابيّة المشتركة الخميس الماضي في البرلمان، وناقشت عددًا من الملفّات، من بينها ملفّ العفو العام، المتكرّر والمثير للجدل. وبعدما ظلّ هذا النصّ معلّقًا لفترة طويلة بفعل غياب التّوافق السياسيّ، يبدو أنّه يحرز هذه المرّة تقدّمًا على وقع بداية تقارب في المواقف.
ويعود إحياء هذا النّقاش بشكل أساسيّ إلى الأزمة المستمرّة في السّجون اللبنانيّة: اكتظاظ يُقدّر بأكثر من 330%، وبطء في الاجراءات القضائيّة، وارتفاع عدد الموقوفين الّذين ينتظرون المحاكمة. ويُضاف إلى ذلك تدهور ظروف الاحتجاز، وحالات تتجاوز فيها مدّة التّوقيف الاحتياطيّ أحيانًا العقوبة المحتملة.
في هذا السّياق، يقدّم مؤيّدو العفو العام هذا الطّرح كاستجابةٍ إنسانيّةٍ لأزمة بنيويّة في النّظام القضائيّ. في المقابل، يحذّر معارضوه من نصّ واسع النّطاق قد تترتّب عليه تداعيات غير محسوبة.
ويقول المحامي سعيد مالك، في حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”: “من المؤكّد أنّ إقرار هذا القانون يكتسب أهميّةً كبرى، إنسانيًّا وسياسيًّا. غير أنّه يتعيّن ألّا يحصل هذا الإقرار، بأي حال من الأحوال، على حساب مكافحة الجريمة، أو أن يؤدّيَ إلى تطبيعها أو تكريسها”.
ثلاثة نصوص وطارئ وحيد
صدر النصّ الأوّل عن تكتّل “اللّقاء الديمقراطيّ”. وهو يقترح عفوًا عن الجرائم المرتكبة قبل الأوّل من آذار 2026، مع استثناء مجموعة من الجرائم المصنّفة بالغة الخطورة: الاعتداء على أمن الدولة الخارجيّ، والجرائم بحقّ القاصرين، والقتل ومحاولات القتل، والاعتداءات الجنسيّة، والجرائم الارهابيّة ضدّ القوّات المسلّحة، والاتجار بالمخدّرات وصناعتها، بالإضافة إلى عدد من الجرائم الماليّة أو المرتبطة بالمال العام. كما ينصّ على تخفيض استثنائيّ لبعض العقوبات، عبر استبدال الأحكام الجنائيّة والجنحيّة، أو تخفيفها.
ويُقدَّم هذا الاقتراح على أنّه يحمل طابعًا إنسانيًّا، قبل أي شيء آخر. ويركّز أصحابه على أوضاع السّجناء الّذين لم يحصلوا بعد على محاكمة، وعلى واقع السّجون، داعين إلى مقاربة “وطنيّة وإنسانيّة” بدلًا من مقاربة سياسيّة ضيّقة.
ويقول مالك: “صحيح أنّ الاكتظاظ في السّجون اليوم يشكّل حالةً طارئةً واستثنائيّةً تستوجب المعالجة. كما تردُ الصّعوبات المرتبطة بعدم القدرة على تأمين الحدّ الأدنى من ظروف العيش للسّجناء والمحكومين، لا سيّما في ما يتعلّق بالغذاء والحاجات الأساسيّة، في الأسباب الموجبة لمشروع قانون العفو العام”. مع ذلك، يشدّد قائلًا: “لا يجوز أن يُنسينا هذا ضرورة أن يعالج قانون العفو، في الأساس، مسألة الجريمة، وأن يأخذ في الاعتبار أي تداعيات”.
أمّا النصّ الثّاني، الّذي قدّمه النّائب فيصل كرامي، فهو أوسع نطاقًا وأكثر حساسيةً من النّاحية السياسيّة، لا سيّما لأنّه يشمل بعض الموقوفين الاسلاميّين. وينصّ أيضًا على الإفراج عن موقوفين لا يزالون من دون محاكمة منذ سنوات، وإعادة النّظر في بعض العقوبات، مع استثناء الجرائم الكبرى.
ويشكّل النصّ الثّالث، الّذي قدّمه تكتّلا “الاعتدال الوطنيّ” و”اللّقاء النيابيّ المستقلّ”، قاعدة النّقاش الحاليّة. وقد جرى توزيعه على النوّاب قبل الجلسة، ما أثار استياء الّذين اعتبروا أنّ اقتراحاتهم جرى تهميشها. ويقول النّائب بلال عبد الله في حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”: “لا نعرف سبب عدم توزيع اقتراحنا على جميع النوّاب، لكنّنا سنعرضه بالتّأكيد في أثناء الاجتماع”.
يقترح هذا النصّ عفوًا أوسع نطاقًا، محاطًا ببعض الاستثناءات، أبرزها جرائم الدمّ، والفساد، والمخدّرات، والتجسّس، إلى جانب آليّةٍ لتخفيف العقوبات.
ويقول مالك: “اختيار هذا الاقتراح من دون غيره، على الرغم من كثرة النّصوص، يُرجَّح أنّ مكتب المجلس النيابيّ قد قدّر تضمُّن هذا النصّ مجمل النّقاط المطروحة في الاقتراحات الأخرى، أو الواردة فيها”.
ويضيف: “ولكن، حتّى مع اعتماد هذا الاقتراح كقاعدة للنّقاش، لا يُلزم المجلس النيابيّ بأي شكل. إذ يبقى للبرلمان كامل الصلاحية في تعديل النصّ، أو حذف البعض من موادّه، أو إضافة مواد جديدة، فضلًا عن إعادة النّظر في الأسباب الموجبة”.
نقاش يتجاوز مسألة السّجون
يعود الملفّ سريعًا إلى اللّجان في ظلّ مشاورات سياسيّة مكثّفة. وفي حال أبدت بعض الكتل انفتاحًا حذرًا، تبقى التّباينات عميقةً بشأن نطاق العفو العام، والفئات المشمولة به.
في الجوهر، يتجاوز النّقاش البعد السجنيّ الضيّق. وكما هي الحال غالبًا في لبنان، يعيد قانون العفو العام فتح ملفّات عالقة منذ سنوات: الموقوفون الاسلاميّون، وبطء الإجراءات القضائيّة، والتّوازنات الطائفيّة، والجرائم بحقّ الدولة، والفساد، والعدالة الانتقائيّة.
بالنسبة إلى مالك، لا يمكن اختزال هذا الملفّ في معالجة ظرفيّة لأزمة راهنة: “يتعيّن أن يشكّل قانون العفو أداةً لمعالجة مسألة الجريمة، لا أن يتحوّل إلى تدبير يُعتمد بشكل دوريّ لصالح المجرمين”. ويضيف: “ينبغي أن يتضمّن حلولًا حقيقيّةً لجذور المشكلة، لا أن يقتصر على خطوة تهدف إلى تفريغ السّجون من نزلائها”. ومن هذا المنطلق، يدعو إلى إعادة درس النصّ بشكل معمّق في اللّجان قبل أي إقرار.
ويبقى السّؤال: هل ينجح النوّاب هذه المرّة في التوصّل إلى صيغة “متوازنة”، أم سيعود الملفّ مجدّدًا إلى المأزق السياسيّ؟.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|