الصحافة

مقاطعة إسرائيل: واشنطن تجرّ لبنان إلى تغيير قوانينه؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، ووسط تصاعد الضغوط السياسية على لبنان، أعاد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن العمل على إلغاء قانون تجريم التواصل مع إسرائيل فتح نقاش لبناني قديم ومتجدد، حول حدود التفاوض مع إسرائيل، وما إذا كان لبنان يتجه، تحت وطأة الضغوط السياسية والعسكرية، نحو إعادة صياغة مقاربته القانونية والسياسية لهذا الملف.

فتصريح ترامب، الذي جاء ردًا على سؤال صحفي لبناني في البيت الأبيض، وُجه إليه بأسلوب تحريضي "على القانون اللبناني"، استكمالاً لحملات إعلامية وسياسية متواصلة، دأبت مؤخراً على طرح مسألة إعادة النظر في الإطار القانوني الناظم للعلاقة مع إسرائيل، للاستفادة من المظلة السياسية التي توفرها مواقف الرئيس الأميركي، يأتي ضمن مسار أوسع يتصل بترتيبات ما بعد الحرب، وبالتالي ضمن محاولات دفع لبنان نحو مسار تفاوضي قد يبدأ بتخفيف القيود القانونية المفروضة على التواصل مع إسرائيل، ولا ينتهي عند حدود التطبيع أو حتى اتفاق سلام.

ولبنان المنهك بالحرب، يجد نفسه منساقاً مرغماً أمام معادلة دقيقة؛ بين منظومة قانونية راسخة تُجرّم التعامل مع إسرائيل وتكرّسها نصوص قانونية ودستورية، وضغوط دولية متزايدة تدفع باتجاه إعادة النظر في هذه المنظومة تحت عنوان تثبيت الاستقرار وإنهاء النزاع. فهل يملك لبنان، قانونًا وسياسةً، هامش المناورة الكافي للحفاظ على ثوابته الوطنية، أم أنه مقبل على مواجهة دستورية وسياسية مفتوحة حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخه الحديث؟

قانون مقاطعة إسرائيل 

البداية من القانون. إذ تنص المادة الأولى من قانون "مقاطعة إسرائيل" الصادر في العام 1955 في لبنان على أنه: "يحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر أياً كانت طبيعته". وتقضي المادة السابعة من القانون نفسه بمعاقبة من يخالف المادة الأولى "بالأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث إلى عشر سنوات" بالإضافة إلى غرامة مالية.

فأي مسار قانوني يمكن التعامل معه من الناحية الدستورية، بخصوص إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل؟ 

الثابت أن تعليق أي قانون نافذ يتطلّب قانونًا جديدًا في مجلس النواب، يقر في الهيئة العامة بأكثرية الحاضرين، بحيث لو حضر الجلسة 128 نائبًا، فالأكثرية المطلوبة تكون 65 نائبا، أمّا إذا حضر 65 نائبا، فالأكثرية تكون 33 نائبا، كما يشير الخبير الدستوريّ الدكتور جهاد إسماعيل في حديث لـِ "المدن". وتكون المبادرة في طرح هذه المبادرة التشريعية، وفق المادة 18 من الدستور، إما عبر مشروع قانون تقره الحكومة وتحيله إلى الهيئة العامة، وإما عبر اقتراح عادي يوقّع عليه 10 نواب قبل طرحه على اللجان النيابية المختصة، ما لم يأتِ بصيغة معجّل مكرر، عندئذٍ لا يمرّ عبر اللجان، ويمكن توقيعه من قبل نائب واحد. وبحسب إسماعيل، فإنّ "إلغاء تجريم التواصل مع العدو لا ينحصر في تعليق قانون مقاطعة اسرائيل الصادر في 23حزيران 1955، بل يجب تعليق المواد 273 و275 و285 من قانون العقوبات"، إلا أن سلطة مجلس النواب في إقرار القوانين ليست مطلقة، بل مقيّدة، بحسب ما استقر عليه اجتهاد المجلس الدستوري، بحدود الدستور وما يقع في منزلته من مبادئ ذات قيمة دستورية أو حقوق دستورية.

أمّا المعضلة الأبرز والتي تتمحور حولها القراءة القانونية والدستورية، فإنّه "في حين أن هكذا قانون، في حال إقراره، يخالف، ولو ضمنياً، المادة الثانية من الدستور اللبناني، إذ إن إلغاء فكرة العداء مع عدو يحتل جزءاً من أقسام الأراضي اللبنانية يعني تنازلاً أو تخلياً عنه، كما يخالف المادة الأولى من الدستور لجهة أن اقرار هكذا قانون بناءً على طلب خارجي ينزع صفة الاستقلالية التامة الّتي نادت بها المادة الأولى، على اعتبار أن الاستقلالية ليست شيئاً مقصودا لذاته، انما هي هدف تقتدي به السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، عدا أن القانون، في ماهيته، تعبير عن حاجة المجتمع، في حين أن جزءاً كبيراً من المجتمع تعرّض إلى عدوان وإبادة من قبل الجهة المطلوب إلغاء العداء معها"، كما يؤكد إسماعيل.

يُضاف إلى ذلك أنّ "المجلس الدستوري، في قرار رقم 2/ 2002، رسم وظيفة وحدود التشريع، عندما أكد أن السلطة المشترعة في سنّها للتشريعات إنما تمارس السيادة الوطنية في المحافظة على الأرض اللبنانية التي تؤلف القاعدة الأساسية التي تقوم عليها هذه السيادة، ما يعني، بحسب ما يستفاد من هذا الاجتهاد، بأن التشريع يجب أن ينطلق من اعتبارين: السيادة، والمحافظة على الارض، وأيّ قانون يخالف هذين الاعتبارين فهو غير مشروع". 

مواكبة المسار التفاوضي

تصريح ترامب إذاً، يتطلب لترجمته قانوناً، إما مشروع قانون من الحكومة أو اقتراح قانون من قبل 10 نواب يُقدم إلى المجلس النيابي. على الجانب اللبناني، لم يصدر أي تصريح رسمي بهذا الشأن، فيما تنقسم الآراء حول موضوع التفاوض بين من يرى فيه مدخلًا إلى الاستقرار، ومن يعتبره خطوة محفوفة بالمخاطر السياسية والدستورية. 

من جهته، يعتبر عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غسان حاصباني أنّ تصريح ترامب "لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي طُرح فيه، وهو الحديث عن مسار قد يقود إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، لا كخطوة مستقلة أو معزولة عن باقي عناصره". ولفت في حديث مع "المدن" إلى أن "جميع الملفات باتت اليوم مطروحة للنقاش، في ظل واقع يشهد بالفعل تواصلاً قائماً على مستويات دبلوماسية، اليوم على مستوى السفراء، قد يتطور في المرحلة المقبلة إلى مستويات أعلى. ومن هنا، فإن البحث لا يقتصر على مسألة التواصل بحد ذاتها، بل يشمل مجمل الخطوات التي قد تواكب أي مسار سياسي محتمل". وبخصوص المسار القانون، شدد حاصباني على أن هذا الملف تحديداً معقد وحساس، ولا يمكن التعامل معه بمعزل عن سياقه الشامل، خصوصاً أن القانون المعني يرتبط أساساً بقوانين المقاطعة التجارية، ما يجعل أي تعديل فيه بحاجة إلى مقاربة متكاملة ونقاش معمق.

أما بشأن إمكان أن يبادر تكتله النيابي إلى تقديم اقتراح قانون في هذا الإطار، فأكد أن الأمر لم يُبحث داخل التكتل، معتبراً أن أي خطوة من هذا النوع يجب أن تأتي ضمن رؤية شاملة وقرار واضح من الحكومة، لا كمبادرة منفردة من النواب.

وختم بالتشديد على أن ما يُطرح اليوم لا يزال في إطار العناوين العريضة، وأن من المبكر الحديث عن خطوات تنفيذية أو نهائية. فالمسار لا يزال مفتوحاً على احتمالات عدة.

قانون حظر التعامل إلى البرلمان مجدداً 

على المقلب الأخر، يذهب النائب أسامة سعد في اتجاه معاكس جداً، فهو كان اقترح في 31 اذار المنصرم مشروع قانون لتوسيع نطاق التجريم بشكل غير مسبوق. يتألف المشروع من أربع مواد، وهو مرفق بأسبابه الموجبة، وينص على منع أي شكل من أشكال التعامل السياسي أو الدبلوماسي أو الثقافي أو الفكري أو الإعلامي معها، إضافة إلى حظر كل أشكال التعاون أو التواصل، بما في ذلك التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وفي حديثه لـ"المدن" يشير سعد إلى أنّ "المادة الثانية من اقتراح القانون تحدد أن أي تفاوض مع إسرائيل يجب أن يكون غير مباشر وبرعاية الأمم المتحدة، مع اعتبار أي مخالفة لهذه الشروط بمثابة جرم قد يصل إلى حد الخيانة العظمى". 

ولفت إلى أن الأسباب الموجبة للاقتراح تستند إلى خلفية وطنية تاريخية تعتبر إسرائيل عدوًا للبنان، مشدداً على أن هذا الموقف يجمع عليه اللبنانيون بمختلف طوائفهم ومذاهبهم. 

وبحسب سعد "لبنان يستند إلى اتفاقية الهدنة الموقعة مع إسرائيل، والتي تحدد الحدود الدولية والمسجلة لدى الأمم المتحدة، مؤكدًا أن هذه الاتفاقية لم تُسقط حالة الحرب بين البلدين"، منتقداً البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية عقب أول اجتماع على مستوى السفراء بين لبنان وإسرائيل، معتبرًا أن الإشارة فيه إلى عدم وجود حالة حرب بين الدولتين تعني عمليًا إسقاط اتفاقية الهدنة، في حين أن إلغاء هذه الاتفاقية لا يمكن أن يتم إلا عبر قانون.

وفي ما يتعلق بالمفاوضات الجارية، حذّر سعد من أن المسار الذي بدأته السلطة في ملف التفاوض مع إسرائيل ينطوي على مخاطر كبيرة، ليس فقط بسبب مسألة التفاوض المباشر، بل أيضًا لغياب الإجماع الوطني حول هذا الخيار. وقال إن "أي دولة تذهب إلى مفاوضات فيما جبهتها الداخلية مفككة، إنما تضع نفسها أمام مشكلة كبيرة"، مشددًا على أن اللبنانيين لن يكونوا موحدين في ظل هذا المسار، ما يستدعي إعادة النظر في مقاربة ملف التفاوض.

وأكد أن مسألة العلاقة مع إسرائيل لا تُحدَّد وفق ضغوط خارجية أو وفق ما يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مشيرًا إلى أنه إذا كان ترامب قد دعا إلى إلغاء قانون تجريم التعامل مع إسرائيل، فإن الموقف الوطني يجب أن يكون معاكسًا تمامًا.

وفي هذا السياق، أعلن سعد أنه سيعيد تفعيل مشروع القانون الذي تقدّم به، يوم الاثنين المقبل في البرلمان، عبر المطالبة بإدراجه على جدول أعمال مجلس النواب، ردًا على الدعوات المطالبة بإلغاء تجريم التعامل مع إسرائيل. وختم بالتأكيد أن المطلوب اليوم هو تشكيل رأي عام ضاغط يساند هذا التوجه، داعيًا وسائل الإعلام والرأي العام إلى دعم خيار المفاوضات غير المباشرة، والعمل من أجل إقرار حظر شامل للتعامل مع العدو الإسرائيلي.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا