مفاوضات لبنان - إسرائيل… شينكر: اهتمام ترامب يعكس فرصة للتقدّم لكن المواقف متباعدة
التّفاوض على المقاومة؟
إنّ مقاومة الاحتلال هو حقّ مكفول في القوانين والشرائع، لكنّ لأيّ مقاومة سياقاتها الواقعيّة التي تتلخّص في عدم وجود دولة وطنيّة أصلاً، ورزوح شعب تحت الاحتلال، ومبادرة مقاتلين إلى الكفاح من أجل الحرّية والاستقلال والسيادة، ووجود جيش احتلال. أمّا الجمع بين الدولة والمقاومة على أرض واحدة، بل التداخل بينهما كما هو حاصل، لهو من عجائب العصر، ولا بدّ من حسم هذه الازدواجيّة المدمّرة للدولة، ولوحدة الشعب، فإمّا أن تكون دولة لديها ميليشيا خاضعة لها في زمن الحرب وتنتهي بانتهاء الحاجة إليها، وإمّا لا تكون دولة، وتكون المقاومة هي نواة الدولة الحقيقيّة حين تنجح في طرد الاحتلال باعتبار أنّ الدولة القائمة غير شرعيّة وينبغي إلغاؤها، وهو ما بات يتردّد لدى ناشطي “الحزب” قبيل الحرب الأخيرة.
الحزب والمقاومة الجديدة
بدأ “الحزب” مقاومة جديدة في الجنوب بالتوازي مع القلق المتصاعد لديه من التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. هذا لا يعني أنّ التفاوض مع العدوّ محظور، ولا أنّ المحظور فقط هو التفاوض المباشر، لأنّ ذلك بمنزلة اعتراف بالكيان، بل بشكل خاصّ لأنّ الدولة بذلك تستردّ قرار السلم، بعدما تحكّم “الحزب” طويلاً بقرار الحرب. هذا التفاوض يُجهض استطراداً ترجمة “الإنجاز” في الميدان إلى مكسب سياسيّ في الداخل. المفارقة في هذه الحرب أنّ “الحزب” جيّر قرار الحرب والسلم لإيران، ويريد من الدولة الانصياع له.
في 9 آذار الماضي، طلب رئيس الجمهوريّة جوزف عون التفاوض المباشر مع إسرائيل من ضمن مبادرة مؤلّفة من 4 بنود تتضمّن: إرساء هدنة كاملة لوقف الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان، تقديم الدعم اللوجستيّ الضروريّ للقوى المسلّحة اللبنانيّة، وسيطرة القوى المسلّحة على مناطق التوتّر ومصادرة السلاح منها، ومصادرة سلاح “الحزب” ومخازنه ومستودعاته وفق المعلومات المتوافرةِ. بشكل متزامن، يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دوليّة، للتوصّل إلى تنفيذ تفاصيل كلّ ما سبق.
لم تُحدث هذه المبادرة دويّاً مناسباً، ولم تشكّل مفاجأة صادمة تستحقّ الاستهجان أو الاعتراض على الأقلّ، بل كانت مفهومة نسبيّاً على أنّها محاولة جادّة من السلطة الشرعيّة التنفيذيّة لكبح جماح الحرب الإسرائيليّة التي تكاد تقضي على ما بقي من سيادة لبنان، علاوة على الإمعان في تدمير ضاحية بيروت، واستهداف بيروت نفسها، وتخريب مجمل القرى والبلدات والمدن جنوب نهر الليطانيِ، ولا سيما تلك الواقعة جنوب الخطّ الأصفر، أو خطّ الدفاع الأماميّ كما يسمّيه الإسرائيليّون.
يرجع عدم الاكتراث في ذاك الحين إلى أنّ الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران كانت في بداياتها، والجبهة اللبنانية هي خطّ الدفاع الأوّل عن “الجمهوريّة الإسلاميّة”، والرهان كان وما يزال على انتصار الأصل، أي إيران، والفرع في الوقت نفسه، أي “الحزب” في لبنان، فتصبح مبادرة عون جزءاً من المناورات في زمن الحرب. لكن مع تقدّم جهود الوساطة الباكستانيّة بين إيران والولايات المتّحدة، وإعلان هدنة لمدّة أسبوعين ابتداء من 8 نيسان، مع إدلاء كلٍّ من طهران وواشنطن بمقترحات متناقضة، واشتراط إيران ربط وقف إطلاق النار عندها بما يجري في لبنان، فاجأ نتنياهو لبنان بقبوله التفاوض المباشر مع الحكومة، وذلك في اليوم التالي لبدء الهدنة مع إيران. الهدف تعميق الفجوة بين الدولة اللبنانيّة و”الحزب”، وإحراج لبنان الرسميّ باستعجاله اللقاء مع الرئيس اللبنانيّ دون مقدّمات، وبلا وقف حقيقيّ لأعمال الاغتيال والتدمير.
في خضمّ هذه الفوضى المقصودة من جانب نتنياهو، عُقد لقاء لبنانيّ إسرائيليّ في واشنطن، برعاية أميركيّة، في 14 نيسان، فانطلقت سهام التخوين والتهديد من جانب “الحزب” ضدّ رموز الدولة، ليس فقط لأنّ ذلك التفاوض يؤكّد الفصل بين الجبهتين الإيرانيّة واللبنانيّة، مع قيام مسارين سياسيَّين منفصلين، وهو ما يحرم “الحزب” الاستفادة من زخم الارتباط الميدانيّ بالجبهة الإيرانيّة، بل لأنّ التفاوض المباشر يسحب منه قرار السلم وفق شروطه، كما كان يجري عادة في كلّ الحروب منذ مطلع التسعينيّات حتّى حرب 2024.
يعني التفاوض غير المباشر مع إسرائيل حكماً الإمساك الوثيق بقرار الحرب والسلم، فهو يبدأ الحرب، وهو ينهيها بأفضل الشروط الممكنة بالنسبة إليه، ويكون الوسيط ساعي بريد وحسب. على هذا، فإنّ الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها السلطة بنظر “الحزب” هي أنّها هذه المرّة تبني على صمود المقاومة في الميدان، من أجل تصفيتها ونزع سلاحها، أي إنّه تفاوض على المقاومة، لا من أجل بقائها، بل بهدف القضاء عليها، عبر سلبها قرار الحرب والسلم، بشكل نهائيّ، في حين أنّ “الحزب” يبدو وكأنّه كيان مستقلّ عن لبنان، وأكثر تفرّداً وتشدّداً من منظّمة التحرير الفلسطينيّة التي استحوذت على قرار الحرب والسلم منذ اتّفاق القاهرة عام 1969 إلى حين خروجها من بيروت المحاصرة عام 1982، فأين الحقيقة بين دوافع التفاوض لدى الدولة ومزاعم التخوين عند “الحزب”؟
دوافع ومزاعم
- أوّلاً: إنّ انفراد “الحزب” بقرار الحرب للمرّة الثانية خلال 3 سنوات، وما نتج عنه من خسائر جسيمة في الأنفس والممتلكات والقدرات الاقتصاديّة، هما اللذان أَلْجآ السلطة التنفيذيّة إلى اتّخاذ قرارات غير مسبوقة. في الداخل، حظرت أنشطة “الحزب” العسكريّة والأمنيّة بوصفها خارجة عن القانون في 2 آذار الفائت، وفي الخارج بدأت التفاوض السياسيّ المباشر، باسم الدولة حصراً.
لقد تحرّر الجنوب عام 2000، وبقيت مزارع شبعا جزءاً من الملفّ الإقليميّ. كان الانسحاب الإسرائيليّ آنذاك يهدف إلى تفجير المعادلة السياسيّة في لبنان، وقد نجح في ذلك. تعالت الأصوات بضرورة إنهاء حالة المقاومة مع زوال الاحتلال، وتنامت المطالبة بانسحاب الجيش السوريّ. في عام 2004، صدر القرار الدوليّ رقم 1559، القاضي بانسحاب القوّات الأجنبيّة، ونزع سلاح الميليشيات. اتُّهم الرئيس رفيق الحريري بأنّ له دوراً أساسيّاً في استصداره، فاغتيل في شباط 2005. لكنّ الجيش السوريّ انسحب بعد أشهر قليلة، وانفرد “الحزب” بقرار الحرب والسلم من دون الوصاية السوريّة. في 12 تموز 2006، اجتاز الخطّ الأزرق على الحدود الجنوبيّة، وهاجم دوريّة إسرائيليّة بهدف أسر جنود إسرائيليّين ومبادلتهم بأسرى لبنانيّين، فكانت الحرب على مدى 34 يوماً، وكانت تلك آخر حرب يخوضها “الحزب” بشعارات وطنيّة صرفة.
مع انطلاق موجة “الربيع العربيّ” وتحوّلاته، انخرط “الحزب” في الصراعات العربيّة، فكان مسانداً للنظام السوريّ ضدّ أغلبيّة شعبه، عام 2012، وللحركة الحوثيّة في اليمن، عام 2014. أطلق حرب إسناد غزّة في 8 تشرين الأوّل 2023، على مدى أقلّ من سنة، فتعرّض لهجمات إسرائيليّة بالغة الشدّة، فأطلق العمليّة الدفاعيّة “أولي البأس” على مدى 72 يوماً. انتهت العمليّات الكبرى، وبقي سيف الاغتيال مصلتاً على قادة “الحزب” وأفراده. أخيراً، بدأ حرب إسناد إيران في 2 آذار 2026، فاحتلّت إسرائيل الحزام الجنوبيّ بمساحة 500 كلم مربّع مع محو آثار الحياة فيه، وبذلك يعود “الحزب” إلى لعب دور المقاومة، فتصبح الغاية فعليّاً بعدما كانت الوسيلة نظريّاً.
انتهاك الدّستور والطّائف؟
- ثانياً: في التوصيف القانونيّ لقرار التفاوض مع إسرائيل، فإنّ من صلاحيّات رئيس الجمهوريّة، بحسب اتّفاق الطائف والمادّة 52 المعدّلة من الدستور، التفاوض من أجل عقد المعاهدات الدوليّة وإبرامها بالاتّفاق مع رئيس الحكومة. لا تصبح المعاهدات نافذة إلّا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتقوم الحكومة بإطلاع مجلس النوّاب عليها حينما تمكّنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أمّا المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلّق بماليّة الدولة والمعاهدات التجاريّة وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلّا بعد موافقة مجلس النوّاب.
أمّا قرار الحرب والسلم فهو من صلاحيّات الحكومة بحسب المادّة 65 المعدّلة من الدستور، وهو من المواضيع الأساسيّة التي تحتاج إلى موافقة ثلثَي أعضاء مجلس الوزراء، ويُعتبر أيضاً من المواضيع الأساسيّة إعلانُ حالة الطوارئ وإلغاؤها، إعلان التعبئة العامّة، الموافقة على الاتّفاقيّات والمعاهدات الدوليّة وعلى الموازنة العامّة للدولة والخطط الإنمائيّة الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظّفي الفئة الأولى وما يعادلها، إعادة النظر بالتقسيم الإداريّ، حلّ مجلس النوّاب، اقتراح قانون الانتخابات، قانون الجنسيّة، قوانين الأحوال الشخصيّة، وإقالة الوزراء.
- ثالثاً: يُستدلّ ممّا سبق أنّ “الحزب” هو الذي ينتهك الدستور واتّفاق الطائف في كلّ مرّة يسطو فيها على قرار الحرب من دون موافقة ثلثَي أعضاء الحكومة. حتّى في حكومات الوحدة الوطنيّة منذ اتّفاق الطائف، ولا سيما بعد اتّفاق الدوحة عام 2008، حين كان “الحزب” وحلفاؤه يملكون القدرة على تعطيل القرارات الأساسيّة للحكومة، سواء بدعم النظام السوريّ السابق أو ببدعة الثلث المعطِّل، إلّا أنّه لم يكن يملك صلاحيّة إجبار الحكومة دستوريّاً على شنّ حرب ضدّ عدوّ أو شقيق، ولو تحت عنوان حقّ مقاومة الاحتلال أو مكافحة الإرهاب، وذلك أوّلاً لوجود دولة من المفترض بها أن تحتكر العنف المشروع بحسب تعريف الدولة الحديثة، لا أن تترك هذا الاحتكار أو تفوّضه لجماعة مسلّحة تحت عنوان المقاومة، ولا بدّ أن يكون القرار النهائيّ للحرب والسلم بيدها، وثانياً لأنّ “الحزبّ يعترف بالدولة، وهو جزء منها، إن في البرلمان منذ عام 1992، أو في الحكومات المتعاقبة منذ عام 2005، ومن شأن هذا الاعتراف أن يجعله يلتزم قرارات السلطة الشرعيّة لا التمرّد عليها باسم المقاومة.
هشام علوان-اساس
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|