لجنة أساتذة الدوام المسائي لغير اللبنانيين لوزيرة التربية: لإنصافنا أسوة بباقي القطاعات
التفاوض بلا أوراق: الجيش خارج الحسابات أم في قلبها؟
في لحظةٍ لبنانية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع خطوط النار مع خطوط التفاوض، وتتشابك الضغوط الدولية مع الانقسامات الداخلية، يعود دور المؤسسة العسكرية إلى الواجهة بوصفه أحد أعمدة التوازن الهشّ في البلاد. فالجيش، بحكم موقعه الوطني الجامع، يجد نفسه أمام اختبار دقيق: كيف يحافظ على عقيدته ووحدته، في ظل صراع يتجاوز قدرات الدولة التقليدية، ويمتد إلى حسابات إقليمية ودولية أكبر من لبنان نفسه؟
انطلاقًا من مسؤولياته على المستوى الوطني، لا يمكن إغفال موقع الجيش ودوره في المعادلة الأمنية–السياسية المتداخلة في لبنان. ومن خلال رصد التعاطي ودقّة السير بين ألغام السياسة، يمكن للمراقب أن يتعرّف إلى سلوكيات المؤسسة العسكرية ونهجها في وضع بالغ الحساسية كالذي نعيشه.
منذ بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان، لم تُوفَّر المؤسسة العسكرية من الانتقادات السياسية، فانهالت عليها اتهامات كثيرة طالت قائد الجيش نفسه. والمؤسف في لبنان أنّ المهاترات السياسية لا تترك خطًا أحمر إلا وتستهدفه لتحقيق مكاسب وأغراض سياسية. حتى بلغت التقارير الواردة من الخارج، والتي تماهت معها فئة في لبنان، حدّ المطالبة بإقالة قائد الجيش والضباط "المقرّبين" من حزب الله داخل المؤسسة. وبات واضحًا أنَّ التعاطي الأميركي مع المؤسسة العسكرية يقتصر على التنسيق الأمني الضروري، فيما أصبحت زيارات السفير أقل وتيرة، على عكس ما جرت عليه العادة، وهذا ما يعزّز الاعتقاد بوجود تباعد أميركي مقصود مع قائد الجيش.
وعلى خلاف السابق أيضًا، باتت العلاقة وثيقة مع بعبدا، وتكتنفها برودة مع اليرزة. وبين الضغوط السياسية في الداخل والضغوط الأميركية، تسلك المؤسسة العسكرية مسارها بحذر. وكان انسحاب الجيش من الجنوب، أو إعادة تموضعه، ضرورةً ميدانية، كما رفض البقاء في القرى المسيحية تحديدًا. فمهام الجيش لا تقتصر على حماية قرى دون أخرى، ولا طائفة دون أخرى، والبقاء في مناطق دخلها الاحتلال كان سيفرض تماسًا مباشرًا مع قواته، لا سيما أنّ السلطة السياسية كانت قد طلبت بقاء عناصر من أبناء تلك المناطق، ولو من دون سلاح.
لا يحتاج الجيش عادةً إلى قرار سياسي للقيام بواجبه في مواجهة العدوان الإسرائيلي، لكن خوض المعارك له شروطه، وإلا تحوّل إلى مخاطرة غير محسوبة بالعناصر.
يعيش الجنوب احتلالًا وعدوانًا مستمرَّين، تقابلهما مواجهات مع حزب الله في بنت جبيل والخيام وبلدات أخرى. واستمرار الغارات الإسرائيلية والقصف المدفعي دليل على أنّ الاحتلال لم يُحكم سيطرته الكاملة بعد. في هذا الواقع، يتحوّل الميدان إلى ورقة تفاوض، إن أرادت السلطة ذلك. إلا أنّها اختارت خوض مفاوضات منفردة، من دون امتلاك عناصر قوة كافية للمقايضة. وفيما يراهن حزب الله على المفاوضات الإيرانية–الأميركية، يجد لبنان نفسه يتفاوض مع إسرائيل على قرار لا يملكه، وهو وقف عمليات الحزب الصاروخية والمسيّرة.
في جولتي التفاوض، بدا واضحًا حجم الضغط الأميركي على لبنان، كما كان حضوره خجولًا مقارنة بالحضور الأميركي والإسرائيلي. وبدا كأنّ القرارات تُفرض أكثر مما تُناقش، خصوصًا مع طرح معادلة "الخطر المشترك"؛ أي حزب الله، كعدوّ مفترض للدولة اللبنانية وإسرائيل في آنٍ معًا. وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل تقبل الدولة بمثل هذه المعادلة؟
في الوقائع، لم تتجاوز المواقف الأميركية مضمون بيان الخارجية الذي صدر عقب الاجتماع الأول بين السفيرين، والذي حظي بموافقة رئاسة الجمهورية، فيما أُبلغ به رئيس الحكومة، وغاب عنها رئيس مجلس النواب وهذا ما فاقم التوتر الداخلي. وفي هذا السياق، لا يُمنح الجيش دورًا إلا ضمن السقف الأميركي؛ أي في مواجهة حزب الله. غير أنّ عقيدة المؤسسة العسكرية، كما خبرها اللبنانيون، تجعل من الصعب تصور انخراطها في صراع داخلي، لا سيما في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية.
وكان الجيش قد أنجز مهماته في جنوب الليطاني قبل اندلاع الحرب، وسبق لقائد الجيش رودولف هيكل أن عرض في أول جلسة لمجلس الوزراء خطة شاملة لضبط السلاح شمالًا وجنوبًا. إلا أنّ اندلاع الحرب أوقف تنفيذها. ومع ذلك، اتخذت الحكومة قرارات وضعت الجيش أمام تحديات تنفيذية شبه مستحيلة، من بينها ضبط السلاح في بيئة مشتعلة، أو تحويل بيروت إلى مدينة عسكرية خاضعة لإجراءات أمنية مشددة، رغم غياب مؤشرات فعلية على تدهور الوضع الأمني فيها.
تدرك الحكومة أنّ هذه القرارات غير قابلة للتطبيق في الظروف الراهنة، إلا إذا كان الهدف دفع الجيش إلى مواجهة مع حزب الله، وهو سيناريو مستبعد، نظرًا لحساسيته وخطورته على وحدة المؤسسة والبلاد. فحزب الله يعتبر الجيش خطًا أحمر، كما أنّ الجيش لن يزجّ بنفسه في صراع داخلي، خصوصًا في ظل أولوية مواجهة التهديد الخارجي.
في المقابل، تواصل السلطة الرهان على التفاوض، تحت ضغط أميركي متصاعد، يلوّح بتوسيع العدوان في حال عدم الاستجابة. ويبدو أنّ الهدف الأميركي يتجاوز لبنان إلى محاولة فصله عن المسار الإيراني، باعتباره الحلقة الأضعف. ومع تسارع وتيرة التفاوض، يبرز هاجس فرض تسوية سريعة، ولو على حساب التوازنات الداخلية.
وبالرغم من كل هذا الحراك، تبقى الأنظار متجهة إلى المفاوضات الإقليمية الأوسع، حيث قد تتبلور التسوية النهائية التي ستعيد رسم موقع حزب الله ودوره. وعندها، قد يكون لبنان أمام مرحلة جديدة، يكون فيها السلاح محصورًا بيد الدولة، وتحديدًا بيد الجيش، بوصفه الضامن الوحيد للاستقرار والسيادة.
غادة حلاوي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|