تيمور جنبلاط بحث في عمل قطاع البترول ومشروع إخضاع العاملين في البلديات للضمان
رصاص في بيت الله
كتبت ريمي الحويّك:
أيُّ وجعٍ هذا الذي يقتحم الموت فيه جنازة، ويحوّل لحظة الوداع إلى مأساةٍ جديدة؟ وأيُّ قسوةٍ تلك التي تستبيح حرمة الإنسان في المكان الذي يلجأ إليه طلباً للسلام، وفي اللحظة التي يكون فيها القلب أكثر انكساراً وحاجةً إلى الرحمة؟
أيُّ ظلام يسكن الإنسان حين يصبح قادراً على إطلاق الرصاص في حضرة الموت؟ أيُّ خواءٍ ذاك الذي يجعل يداً تمتدّ إلى الزناد، فيما أيدٍ أخرى ممدودةٌ إلى السماء، لا تطلب سوى الرحمة لروحٍ غادرت هذا العالم؟
في كنيسة حمود، في الكرك الأردنية، لم يكن الناس مجتمعين إلا لوداع إنسانٍ رحل. كانوا يحملون حزنهم ودموعهم وصلواتهم، ويبحثون في الإيمان عن عزاءٍ يخفّف وطأة الفقد. لكنّ الرصاص باغتهم، فصار للموت موتٌ آخر، وللدمعة وجعٌ آخر، وللجنازة حكايةٌ لا ينبغي أن تحدث في أيّ مكانٍ من هذا العالم.
لماذا؟ بأيّ حقّ تُنتزع الحياة من أناس لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا هناك؟ وبأيّ منطقٍ يصبح بيت الصلاة مسرحاً للقتل، وتُستباح حرمة الموتى والأحياء معاً؟
ليست القضية قضية مسيحيين وحدهم، ولا قضية كنيسةٍ وحدها، ولا قضية الأردن وحده. إنها قضية الإنسان حين يُستهدف لأنه إنسان، وحين يصبح الاختلاف ذريعةً للكراهية، ويُستبدل صوت الضمير بصوت الرصاص.
الكنيسة ليست جدراناً وأيقوناتٍ وشموعاً. إنها ذاكرة أجيال، وصلوات أمهات، وأصوات أطفال، وأبوابٌ فُتحت على الرجاء في أكثر اللحظات قسوة. واستهدافها ليس اعتداءً على حجارةٍ أو مكان، بل على حقّ الإنسان في أن يؤمن، وأن يصلّي، وأن يحزن، وأن يودّع أحبّاءه بسلام.
لكنّ الإيمان لا يُقاس بما يصيب دور العبادة من أذى، بل بما يبقى في القلوب من قدرةٍ على رفض الكراهية. والإنسانية لا تُختبر حين نتشابه، بل حين نختلف ونظلّ قادرين على حماية بعضنا بعضاً.
إلى أهل الكرك، إلى العائلات التي انقلبت حياتها في لحظات، إلى الذين ينتظرون خبراً عن جريح، وإلى الذين صار عليهم أن يتعلّموا العيش مع غيابٍ لم يستعدّوا له، كلّ المواساة التي تعجز الكلمات عن حملها. لا توجد عبارةٌ تعيد غائباً، ولا صلاةٌ تمحو من الذاكرة مشهد الفاجعة، لكنّ التضامن الصادق يقول للمتألّمين إنهم ليسوا وحدهم، وإنّ وجعهم ليس شأناً خاصّاً بهم، بل جرحٌ في ضميرنا جميعاً.
وللأردن، الذي عرف أبناؤه معنى العيش المشترك، أن يحمي هذا المعنى بالعدل، وبالقانون، وبالتمسّك بوحدة الناس وكرامتهم. فالعدالة ضرورةٌ لا انتقام، ومحاسبة الجناة واجبٌ لا تبرير للعنف، وحماية المجتمع تبدأ برفض كلّ خطابٍ يجعل من الآخر عدوّاً لمجرّد اختلافه.
أتذكّر، في تشرين الأوّل من العام الماضي، حين التفتت الملكة رانيا إلى البابا لاوون الرابع عشر، وسألته إن كان يعتقد أنّ الذهاب إلى لبنان سيكون آمناً. فأجابها، بما يشبه الإصرار على المضيّ نحو الرجاء: سنذهب على أيّ حال!
اليوم، أعيد السؤال إلى جلالة الملكة، لا شماتةً ولا اتهاماً بل وجعاً إنسانيّاً خالصاً: هل الأردن آمن؟
أسأل لا لأقارن بين وطنين، ولا لأدين بلداً، ولا لأحوّل وجع الضحايا إلى سجال.
أسأل لأنّ الرصاص الذي اقتحم كنيسةً في الكرك، في لحظة جنازةٍ كان يفترض أن تكون فيها القلوب منشغلة بالوداع والصلاة، أعاد إلى الواجهة سؤالاً أعمق من حدود الدول وإجراءات الأمن: أين يشعر الإنسان بالأمان حين يصبح بيت الله نفسه مسرحاً للموت؟
أسأل لا لأحمّل الأردن جريمةً ارتكبها مجرمون، ولا لأختصر وطناً بتلك اللحظة السوداء. فالأوطان أكبر من جرائمها، وشعوبها ليست مسؤولةً عن كلّ ما يرتكبه أفرادٌ باسم أفكارٍ مشوّهة.
أسأل عن معنى الأمان إذا كان يطمئن الزائر، فيما يرتجف قلب الإنسان الذي يسكن المكان؟
لا نريد أن نضيف إلى الدم دماً ولا إلى الحزن كراهيةً جديدة، نريد أن ينتصر الحقّ، وأن يُحاسَب المسؤولون، وأن يبقى الإنسان أكبر من كلّ فكرٍ يحرّض على قتله.
في حضرة الموت، تسقط كلّ الشعارات، ويبقى السؤال الأبسط والأصعب: كيف نقبل أن يُقتل إنسانٌ آخر لأنّ أحدهم نسي أنّ له قلباً وأمّاً وبيتاً وأحبّة ينتظرونه؟
رحم الله الضحايا، وشفى الجرحى، وربط على قلوب ذويهم، ولتبقَ أبواب الكنائس والمساجد مفتوحةً للصلاة، لا للخوف، ولتظلّ أجراس الكنائس وأصوات الأذان تذكّرنا بأنّ اختلاف الطرق إلى السماء لا يبرّر سفك الدم على الأرض، فحين يُقتل الإنسان، لا تخسر عائلةٌ وحدها، ولا طائفةٌ وحدها، ولا وطنٌ وحده، تخسر الإنسانية كلّها.
وللقتلة أدعو... لا لأنّني أملك من الرحمة ما يتّسع لجريمتهم، ولا لأنّ قلبي استطاع أن يتجاوز وجع الضحايا، بل لأنّني أخشى، في حضرة هذا الشرّ، أن أفقد إيماني بالإنسان، وأن أسمح للكراهية، وهي تسرق من العالم أرواحاً بريئة، أن تسرق من روحي قدرتها على الرحمة أيضاً، لأنّني لا أريد أن يكون آخر ما يتركه القاتل في هذا العالم هو قاتلٌ آخر يسكن قلوبنا، ولا أن يمتدّ الموت من أجساد ضحاياه إلى ما تبقّى فينا من نور.
للقتلةِأدعو: "اغفِرْلهمياأبتاهُ،لأنّهملايَدرُونَماذايفعلون"
وإنكانوايَدرُون،فاغفِرْ لهم، لأنّهم لم يُدرِكوا،
أنّهمحينيسفحونَروحَإنسانٍ، إنّما يسفحونَنفخةً من روحكَ!
وحينيقتلونَإنساناً، إنّما أنتَ، أنتَ يا ربّ، مَن يقتلون!
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|