سقوط علي الطاهر: ماذا حدث تحت الأرض ومن يدفع ثمن الحرب؟
ثمة ما هو أهم من معرفة التفاصيل الكاملة لما جرى في أنفاق علي الطاهر: معرفة من يدفع ثمن هذه الحرب، ومن يملك قرارها، ومن يستطيع تغيير قواعدها عندما تتبدل حساباته.
قبل إعلان السيطرة على الموقع، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين مطلعين أن إيران حذرت واشنطن، عبر عُمان، من هجوم إسرائيلي شامل على علي الطاهر. وتحدث اثنان منهم عن وجود أكثر من عشرة عناصر من الحرس الثوري الإيراني، بينهم ضابطان كبيران على الأقل، إلى جانب مقاتلي «حزب الله». كما تحدث مصدر مطلع مباشرة على الرسالة عن ضغوط أميركية ساهمت في تأجيل اقتحام إسرائيلي للموقع.
إذا صحت هذه المعلومات، فهي تكشف اختلالاً لافتاً في المعادلة.
فعندما يصبح إيرانيون عرضة للخطر، تتحرك طهران سياسياً، وترسل التحذيرات، وتدخل قنوات واشنطن ومسقط على الخط. أما مقاتلو «حزب الله» الذين يُدفع بهم إلى الجبهات والأنفاق، واللبنانيون الذين يتحملون الكلفة البشرية والمادية للحرب، فيبدون جزءاً من خسائر تستطيع إيران احتمالها ما دامت تقع خارج حدودها.
وهنا يصبح السؤال عن مصير الإيرانيين الذين قيل إنهم كانوا في علي الطاهر مشروعاً: أين ذهبوا؟
قد تكون المعلومات عن وجودهم غير دقيقة من أساسها. وقد يكونون غادروا قبل الحسم عبر منافذ بقيت متاحة. ولا توجد حتى الآن أدلة منشورة تسمح بالجزم بأن «صفقة» أخرجتهم، لذلك لا يصح التعامل مع هذا الاحتمال كواقعة. لكن المقارنة بين حجم التحرك السياسي عند الحديث عن تهديد عناصر إيرانيين وبين حجم الخسائر التي يتحملها «حزب الله» ولبنان تطرح سؤالاً أكبر: هل تنظر طهران إلى الحزب كحليف يجب حمايته، أم كقوة يمكن استنزافها ما دام هذا الاستنزاف يخدم مصالحها الإقليمية؟
ثم جاءت علي الطاهر لتطرح سؤالاً أكثر إحراجاً للحزب نفسه.
فالموقع لم يُقدَّم باعتباره مرتفعاً عادياً. الحديث كان عن موقع استراتيجي ومركز قيادة ومستودعات أسلحة ومنشآت وأنفاق تحت الأرض. وقيل إن السيطرة الكاملة عليه ستكون معقدة ومكلفة، وإن الحصار قد يكون الخيار الذي يلجأ إليه الجيش الإسرائيلي لتجنب خسائر اقتحام مباشر.
ثم أعلن الجيش الإسرائيلي «السيطرة العملياتية» على الموقع وتطهير أنفاقه، وقال إن عدداً من عناصر «حزب الله» قُتل وإن آخرين فروا.
فأين كانت المعركة التي تتناسب مع كل ما قيل عن أهمية علي الطاهر وتحصيناتها؟
قد يكون الحصار نفسه هو المعركة. وربما نجح الجيش الإسرائيلي في قطع الإمدادات وإنهاك المدافعين إلى درجة جعلت استمرارهم مستحيلاً. لكن هذا التفسير، إذا كان صحيحاً، لا ينقذ رواية «المقاومة»، بل يجعل السؤال أكثر قسوة.
إذا كان «حزب الله» لم يستطع حماية واحدة من أبرز منشآته المحصنة تحت الأرض، فكيف يمكنه إقناع اللبنانيين بأنه قادر على حماية لبنان؟
الحزب يقول منذ سنوات إن سلاحه ضرورة لأن الجيش اللبناني غير قادر وحده على مواجهة الجيش الإسرائيلي. لكن ماذا فعل هذا السلاح في علي الطاهر؟ حوصرت المنشأة، وقُطعت خطوط إمدادها، وقُتل مقاتلون، وانسحب آخرون، وانتهى الأمر بإعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة العملياتية عليها.
وإذا كانت هذه نتيجة الدفاع عن موقع أُعد أساساً للحرب، فكيف يكون هذا السلاح ضمانة لحماية القرى والمدن والمدنيين؟
والسؤال لا يتوقف عند عجز الحزب عن منع الجيش الإسرائيلي من السيطرة على المنشأة. ثمة سؤال لبناني أكثر إلحاحاً: لماذا لم تُسلَّم إلى الجيش اللبناني عندما أصبح الاحتفاظ بها مستحيلاً؟
إذا كان الخيار الأخير بين دخول الجيش اللبناني وبين أن يفرض الجيش الإسرائيلي سيطرته على الموقع، فلماذا لم تكن الأولوية للدولة؟
هذه المفارقة تختصر أزمة السلاح خارج الدولة. فالجيش اللبناني يُقدَّم على أنه عاجز عندما تكون الحجة هي ضرورة احتفاظ الحزب بسلاحه، لكنه لا يصبح بديلاً عندما يعجز هذا السلاح نفسه عن الاحتفاظ بالأرض.
أما إيران، فتقف في موقع مختلف تماماً.
هي صاحبة النفوذ السياسي والعسكري الأكبر على الحزب، لكنها لا تدفع الكلفة اللبنانية للحرب. مدنها ليست التي تُدمّر عندما تُقصف قرى الجنوب، ومجتمعها ليس الذي يُهجّر، واقتصادها ليس الذي يتحمل وحده خسائر لبنان، وأبناؤها ليسوا هم الذين يشكلون القسم الأكبر من المقاتلين الذين يُطلب منهم الموت في الأنفاق والمواقع الأمامية.
وإذا صحت التقارير عن وجود عناصر من الحرس الثوري في علي الطاهر، ثم لم يظهر لهم أثر عند إعلان الحسم، فإن السؤال عن مصيرهم يبقى مشروعاً. لكن لا حاجة إلى القفز مباشرة إلى فرضية صفقة لا دليل عليها. ربما خرجوا قبل إحكام الحصار، وربما لم يكونوا هناك أساساً.
فالمشكلة السياسية أكبر من فرضية الصفقة نفسها.
المشكلة أن إيران تستطيع إدارة مصالحها من موقع الدولة التي تفاوض وتحذر وترسل الرسائل، فيما يدفع «حزب الله» ولبنان الكلفة البشرية والميدانية على الأرض.
وهنا تكمن قسوة علي الطاهر: قد لا تكون قصتها قصة تفاهم غامض أو ممر سري أو صفقة لم تُعلن. ربما تكون الحقيقة أبسط بكثير.
حصار نجح. دفاع انهار. مقاتلون قُتلوا أو انسحبوا. ومنشأة استراتيجية انتقلت إلى سيطرة الجيش الإسرائيلي.
وإذا كان هذا ما حدث، فلا حاجة إلى نظرية مؤامرة لفهم حجم المشكلة.
المشكلة أن «حزب الله» الذي يطلب من اللبنانيين قبول سلاحه لأنه قادر على الدفاع عنهم، لم يتمكن من الدفاع عن منشأة عسكرية محصنة تحت الأرض أُنشئت تحديداً لمواجهة حرب كهذه.
والمشكلة أن الجيش اللبناني الذي يُستخدم ضعفه مبرراً دائماً لبقاء هذا السلاح لم يُمنح فرصة تسلّم الموقع قبل أن يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي.
والمشكلة، أخيراً، أن إيران التي بنت جزءاً مهماً من نفوذها الإقليمي على قوة «حزب الله» تستطيع التحرك عندما ترى مصالحها أو رجالها في خطر، فيما تبقى الخسائر اللبنانية فاتورة تُدفع بعيداً عن طهران.
لهذا فإن السؤال بعد علي الطاهر ليس فقط: ماذا حدث داخل الأنفاق؟
بل: لمن هذا السلاح؟ ومن يحمي فعلاً؟ ومن يملك قرار الحرب؟ ومن يدفع ثمنها؟
فإذا كان السلاح لا يحمي لبنان، ولم يتمكن حتى من حماية إحدى منشآته الاستراتيجية، ولا يعيد القرار إلى الدولة، بينما تبقى إيران قادرة على إدارة مصالحها من خارج ساحة الخسائر، فإن المشكلة لم تعد في سقوط علي الطاهر وحدها.
المشكلة في الرواية التي يُطلب من اللبنانيين أن يصدقوها بعد سقوطه.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|