حردان: الدولة مسؤولة عن جميع اللبنانيين.. والحل بحوار يجمع القوى
هل يتغيّر المشهد في لبنان في حال خسر نتنياهو الانتخابات أو ربحها؟
تتجه إسرائيل في الـ27 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، إلى استحقاق انتخابي يوصف على نطاق واسع بأنه استفتاء شعبي على زعامة بنيامين نتنياهو، بعد نحو أربعة أعوام أدار خلالها البلاد عبر حرب غزة والتصعيد المتمادي مع لبنان وإيران. وبينما تتمسك حكومته بإكمال ولايتها كاملة للمرة الأولى منذ عام 1973، تشير استطلاعات الرأي إلى تقدّم لافت لمنافسين من داخل المعسكر الأمني والسياسي الإسرائيلي، يتصدرهم رئيس الأركان الأسبق غادي أيزنكوت، إلى جانب تحالف "بياحد" الذي أطلقه نفتالي بينيت ويائير لبيد في أبريل (نيسان) الماضي.
هذا المشهد المتحرك يطرح سؤالاً جوهرياً على الطاولة اللبنانية: هل يعني رحيل نتنياهو عن السلطة تحوّلاً فعلياً في مسار الحرب والمفاوضات الجارية مع بيروت، أم إن ما قد يتغيّر هو الوجه لا الجوهر؟
البعض يعد أن خسارة نتنياهو في انتخابات الكنيست قد تُحدث تحولاً في الأسلوب والإيقاع السياسي الإسرائيلي، وربما في درجة الانضباط التفاوضي، لكنها لن تكون في حد ذاتها كافية لإحداث اختراق جوهري في الملفين الأكثر حساسية: نزع سلاح "حزب الله" والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية. فمن يقرأ الملف اللبناني عن كثب يدرك أن جوهر الموقف الإسرائيلي تجاه لبنان لا يُصاغ حصراً من مكتب رئيس الوزراء، بل من توافق بين المؤسسة الأمنية والعسكرية والمستوى السياسي. في المقابل تراهن إيران أن يفرز صندوق الاقتراع قيادة أقل تشدداً من نتنياهو، أو ائتلافاً أضعف تماسكاً يصعب عليه حسم الملفات الإقليمية بالطريقة نفسها. وينسحب المنطق ذاته على "حزب الله"، الذي يمكن أن يرى في احتمال رحيل نتنياهو فرصة لإعادة ترتيب أوراقه أو الحصول على هامش تفاوضي أوسع.
فوارق في الشكل لا في جوهر الموقف من "حزب الله"
يعد كثيرون أن التغيير في رأس الهرم السياسي الإسرائيلي يبقى عاملاً مؤثراً، لكنه ليس وحده حاسماً في تحديد مصير الحرب والمفاوضات في لبنان. ويشيرون إلى فوارق محتملة قد تحدثها خسارة نتنياهو في المشهد اللبناني، لكنها لن تصبّ بالضرورة في مصلحة "حزب الله". فحتى الرهان الذي قد تعقده طهران أو الحزب على هذا التغيير يبقى رهاناً غير مضمون النتائج، بل قد ينقلب عكسياً إذا جاءت القيادة البديلة أكثر تشدداً على الجبهة الأمنية، من دون أن تحمل عبء اليمين المتطرف داخل الائتلاف الحاكم.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن رئيس الوزراء الحالي يعرف باستخدامه الملف الأمني ورقة انتخابية داخلية، وهو ما ظهر في التصعيد الأخير حول تلة "علي الطاهر" (جنوب لبنان)، الذي اعتُبر جزءاً من حسابات ما قبل الانتخابات أكثر منه ضرورة عسكرية. ورحيله عن السلطة قد يقلّص هذا النمط من التصعيد المرتبط بالتقويم الانتخابي، لكنه لن يلغي المنطق الأمني الذي يحكم القرار الإسرائيلي في الجنوب اللبناني. ومن الفوارق المحتملة أيضاً أن أيزنكوت، منافس نتنياهو، يمتلك بحكم خلفيته العسكرية ورئاسته السابقة لهيئة الأركان معرفة دقيقة بملف "حزب الله"، إذ وُصف بأنه "خبير في شؤون الحزب". وعليه، فإن وصول قيادة إسرائيلية جديدة بهذه الخلفية قد يفتح الباب أمام مقاربة تفاوضية أكثر انضباطاً وأقل ارتجالاً من الناحية الشكلية، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة ليونة في المطالب الجوهرية، لا سيما في ما يخص نزع سلاح الحزب، فلا مؤشرات تذهب إلى أن أي حكومة إسرائيلية بديلة، أياً كان رئيسها، ستتخلى عن هذا الشرط الذي يحظى بإجماع واسع داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وتصطدم فرضية رهان "حزب الله" على التغيير في إسرائيل بتحفظ جوهري إذ ثمة من يرى أن المعادلة قد تكون معكوسة تماماً. فنتنياهو الذي يحتاج اليوم إلى تحالف اليمين المتشدد لضمان بقائه السياسي هو الأقل قدرة على تقديم تنازلات كبرى، بينما نتنياهو المنتصر في الانتخابات، أو خليفة يمتلك أغلبية مريحة، قد يملك هامشاً سياسياً أوسع لتوقيع تسوية، تماماً كما يملك السياسي القوي أحياناً مساحة للتنازل لا يملكها السياسي المتعثر. وبناء على هذا الطرح، فإن رهان إيران، "حزب الله" على "خسارة نتنياهو" قد لا يكون رهاناً مضمون النتائج، بل قد يحمل مفاجآت معاكسة لما يراد منه، خصوصاً أن أياً من المرشحين البديلين، أيزنكوت أو تحالف بينيت – لبيد، لم يبدِ حتى الآن أي ليونة تجاه "حزب الله"، بل على العكس، صدرت عن بعضهم انتقادات لنتنياهو من موقع أكثر تشدداً، معتبرين وقف إطلاق النار الحالي "قسرياً وبشروط مجحفة بحق إسرائيل".
في السياق، وانطلاقاً من كون لبنان أحد العناوين الرئيسة في الانتخابات الإسرائيلية، رأى الكاتب والباحث الاستراتيجي الأردني عمر رداد أن الساحة اللبنانية ستشهد تصعيداً خلال الشهرين المقبلين قد يطال مجدداً الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في شمال الليطاني، "سعياً إلى تحقيق إنجاز حقيقي يمكّن نتنياهو من حصد مزيد من الأصوات".
وفي قراءته لتداعيات خسارة نتنياهو المحتملة على الملف اللبناني، أوضح رداد أنه في حال نجاحه سنكون أمام وضع جديد، "أما في حال فشله ومجيء حكومة برئاسة أيزنكوت أو غيره من قوى المعارضة العلمانية، فإن أي حكومة جديدة ستبني على ما أنجزه نتنياهو وحكومته في مواجهة حزب الله. ويعود ذلك إلى وجود توافقات عريضة في الرأي العام الإسرائيلي، تجمع بين المعارضة والموالاة على السواء، حول الأطر الكبرى لعدد من الملفات، على رغم اختلافهما في التكتيكات، سواء لجهة إسقاط النظام الإيراني، أو إنهاء خطر كل من ’حزب الله’ والحوثيين وحركة حماس"، معتبراً هذه القضايا خطوطاً حمراء باتت جزءاً من التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإسرائيلي، ولا يمكن لأي حكومة جديدة تجاوزها، وإن كانت الفوارق، بحسب رأيه، ستنحصر في التكتيكات وآليات التنفيذ لضمان بلوغ هذه الأهداف.
أضاف الباحث الاستراتيجي أن أي حكومة إسرائيلية جديدة ستستكمل ما حققه نتنياهو في لبنان، "وتحديداً في مواجهة حزب الله، غير أن شكل العمليات العسكرية ومستواها وعمقها قد يكون أقل حدّة مما هو عليه الآن، بمعنى أنه قد تتم الاستجابة للطلب الأميركي بتحييد بيروت والضاحية الجنوبية، والاقتصار على مناطق العمليات الأمنية والعسكرية التي تمارس فيها إسرائيل نشاطها حالياً، أي جنوب نهر الليطاني وشماله"، وتوقع ألا تتوقف العمليات الأمنية ضد قيادات الحزب حتى في حال خسارة نتنياهو، لكنها لن تكون بالكثافة القائمة حالياً.
وربط رداد كل ذلك بالتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، موضحاً أن مسألة الخطوط الحمراء مرتبطة أساساً بإيران، و"أن أي حكومة علمانية جديدة من دون نتنياهو تستهدف مواقع داخل طهران ستحظى بتأييد شعبي واسع، وهو أمر سيحرص عليه جميع الساسة الإسرائيليين لاحقاً"، وأشار "إلى أن حزب الله يشعر ببعض التخفيف في الضغط الذي تمارسه عليه حكومة نتنياهو، مع أن هذا المسار لن يكون مرتبطاً بمسار التفاوض بين السلطة اللبنانية وإسرائيل، بل سيرتبط بشكل مباشر أكثر بالحرس الثوري الإيراني ومآلات المواجهة مع إيران، فإذا أُبرمت صفقة ما، فمن المؤكد أنها ستشمل حزب الله، وإذا انهار النظام الإيراني، فمن المؤكد أن الحزب سيواجه أوضاعاً أمنية وسياسية ووجودية بالغة الصعوبة في لبنان، مما سيفتح المجال أمام الحكومة الإسرائيلية للانقضاض على الحزب في حال الانقضاض على النظام الإيراني".
ثوابت لا تتغير بتغيّر الأشخاص
ويرى كثيرون أنه من الضروري، من الزاوية اللبنانية، عدم المبالغة في تقدير أثر أي تغيير سياسي محتمل في تل أبيب. فحتى الحكومات الإسرائيلية التي وُصفت سابقاً بالاعتدال النسبي لم تقدم على تنازلات جوهرية في ملفي السيادة والانسحاب من دون ضغط أميركي مباشر وفعّال. ويبقى الثابت الأميركي، متمثلاً بإدارة الرئيس دونالد ترمب ورعايتها المستمرة للمسار التفاوضي، العامل الأكثر تأثيراً في مسار المفاوضات، بصرف النظر عن هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي. كذلك فإن "صيغة الإطار" الموقّعة في يونيو (حزيران) عام 2026، وما تلاها من ترتيبات تجريبية وآليات عسكرية مشتركة، تشكّل أساساً تراكمياً من غير المرجح أن تتخلى عنه أي حكومة إسرائيلية جديدة، بل الأرجح أن تسعى إلى البناء عليه أو إعادة تفسير بنوده لمصلحتها.
من جهته، استبعد المتخصص في الشؤون السياسية سامي نادر أن يكون لنتائج الانتخابات الإسرائيلية أي تأثير يذكر على الملف اللبناني، معتبراً "أن أغلبية الشعب الإسرائيلي تنظر إلى تهديد حزب الله بوصفه تهديداً وجودياً"، مستشهداً بآخر الإحصاءات التي تشير إلى أن أكثر من 70 في المئة من الإسرائيليين يؤيدون استمرار الحرب على الحزب. ورأى نادر أن أي حزب يفوز في انتخابات الكنيست سيكون بالضرورة مقيّداً بهذه الإرادة الشعبية، "خصوصاً أن المسألة مرتبطة بمؤسسة عسكرية وأمنية أكثر من ارتباطها بخيارات سياسية بحتة"، وأضاف "أن التغيير، إن حصل، فمن المرجّح أن يكون على مستوى غزة، لكنه سيتجه على الأرجح نحو مزيد من التشدد لا العكس"، مذكّراً بالانتقادات التي طالت نتنياهو لعدم إحسانه إدارة الحرب، وعدم استعداده الكافي للمواجهة مع إيران، وعدم إكماله الحرب على لبنان بعدما خضع للإرادة الأميركية. وخلص نادر إلى استبعاد حصول أي تغيير جوهري، خصوصاً في الملفات التي تعتبرها إسرائيل وجودية، كالملف النووي الإيراني وما تمثله طهران من تهديد لتل أبيب وأذرعها في المنطقة، وهي ملفات لن تقبل إسرائيل فيها بأي مساومة أو تراجع.
دنيز رحمة فخري- اندبندنت عربية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|