تقرير إسرائيلي عن بشار الأسد.. معلومات جديدة تُكشف عن "الرئيس الهارب"
صور... تدمير حضارة وتهجير مدينة وأزمة عدالة إنسانية
إنّها ليست المرّة الأولى التي تتعرّض فيها مدينة صور (الصخرة باللّغة الفينيقيّة) للحصار والعدوان منذ أقدم العصور. لقد استعصت على أباطرة عظام، حيث حاصرها الملك البابلي نبوخذ نَصَّر الثاني لثلاثة عشر عاماً دون جدوى. أمّا الحصار الأبرز فكان على يد الإسكندر المقدوني عام 332 ق.م، والذي دام سبعة أشهر، ولم يتمكّن من اقتحامها إلّا بعد بناء جسر بحريٍّ ضخم يربط البرّ بالجزيرة.
فما نشهده اليوم من تدمير لهذه المدينة ولمعالمها التاريخية والدينيّة والثقافية ليس إلّا جريمة بحقّ الإنسانيّة يندى لها الجبين. إنّ اضمحلال الضمير العالمي لصالح مكاسب ماديّة وأهدافٍ استراتيجيّة فئويّة تعلو على روح الإنسان وتقضي على القيم الإنسانية، يُحتّم إنشاء نظامٍ عالميٍّ جديد قوامه العدالة الإنسانية.
أوّلاً: صور أمّ الحضارات ولؤلؤة المتوسّط
تُعدّ مدينة صُور ملكة جنوب لبنان واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، وتتمتّع بتاريخ وحضارة عريقين يمتدان لآلاف السنين. تأسست المدينة، وفقاً للمؤرخين والآثار المكتشفة، في بدايات الألف الثالث قبل الميلاد كمسكنٍ ومرفأ كنعاني فينيقي. وازدهرت لتصبح لاحقاً دُرّة الحواضر الفينيقية وسيّدة البحار ومركزاً لثراء فاحش ونفوذ اقتصادي واسع. وكعاصمة تجارية وعسكرية للفينيقيين، انطلق منها البحّارة لتأسيس مستعمرات كبرى في حوض المتوسط، كمدينة قرطاج على يد الأميرة الصُوْرية الأسطورية "أليسار"، والأميرة "أوروبا" وشقيقها "قدموس" ناقل الأبجدية إلى اليونان. كما اشتهرت المدينة باكتشاف واستخراج صبغة الأرجوان الملكية من قواقع "الموريكس"، فكان القماش الأرجواني خاصّاً بالملوك والأباطرة.
توالت على صور العهود الرومانية، البيزنطية، الإسلامية، ثمّ الصليبية (حيث كانت معقلاً لمملكة بيت المقدس حتّى عهد المماليك عام 1291)، وصولاً إلى العهد العثماني ثم الحديث. وعليه، أدرجت منظمّة اليونسكو مدينة صور بكاملها على قائمة التراث الثقافي العالمي عام 1984.
ثانياً: صور مهد المسيحيّة ومدينة الشهادة
تتمتّع مدينة صُور بمكانة محورية بارزة في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وقد ورد ذكرها وأهلها (الصوريين) أكثر من مائة وعشر مرات. أفرد الأنبياء في العهد القديم فصولاً كاملة عنها (أسفار الملوك الأول، أخبار الأيام الأول والثاني، وصموئيل الثاني)، فوَصَفت بدقّة متناهية مجدها البحري، وثراءها الفاحش وأسواقها العالمية. واشتهر الملك حيرام الأوّل (ملك صور) بمساهمته في بناء قصر داود وهيكل سليمان في القدس، وإرساله المهندس الماهر "حيرام أبي" مزوّداً بخشب الأرز من جبال لبنان.
وشكّلت صور في العهد الجديد من الكتاب المقدّس أُولى محطّات انتشار المسيحية الأولى، فكانت جزءاً من الجغرافيا التي وطئها السيّد المسيح وتلاميذه. إذ تذكر الأناجيل (متى ومرقس) أنّ يسوع زار نواحي صور وصيدا، وأنّ الجماهير كانت تأتي إليه لتسمعه وتُشفى من أمراضها. كما أمضى بولس الرسول هناك سبعة أيام مع تلاميذ صور (المسيحيين الأوائل)، قبل أن يودّعهم ويتابع إبحاره نحو أورشليم للتبشير (أعمال الرسل).
شهدت صور حملة اضطهاد شرسة ضدّ المسيحيين في عهد الإمبراطور الروماني دقلديانوس (أوائل القرن الرابع الميلادي). حيث استشهد حوالي خمسمائة مسيحي من أبناء صور وجنودها بعد تحمّلهم شتى أنواع العذاب في ملاعب "الأرينا". وتشهد سراديب كاتدرائية سيّدة البحار المارونية في صُور، على وجود مدافن تاريخية ومذاخر تحتوي على رفات وذخائر هؤلاء الشهداء والقديسين الذين ارتبطوا بالمدينة، وأبرزهم القديسة كريستينا الصُّوْرية، عظيمة شهداء القرون الأولى.
ثالثاً: العدوان ضدّ صور: جريمة دوليّة ضدّ الإرث العالمي الإنساني
تتمتّع المواقع الأثرية في صور بنظام حماية قانوني دولي مزدوج؛ فهي محميّة بموجب اتفاقية حماية التراث العالمي، فضلاً عن إدراجها ضمن قائمة الممتلكات الثقافية تحت الحماية المُعزّزة بموجب البروتوكول الثاني لعام 1999 المُلحَق باتفاقية لاهاي لعام 1954الخاصة بحماية الأعيان الثقافية في حالة النزاع المسلح، ممّا يفرض على المجتمع الدولي التزامات قانونية صارمة لتحييدها وحمايتها من الأعمال العسكرية والتدمير.
تؤكّد المواثيق الدولية أنّ أيّ ضرر يلحق بالممتلكات الثقافية، أياً كان الشعب الذي تنتمي إليه، يعتبر إضراراً بالتراث الثقافي للإنسانية جمعاء (ديباجة اتفاقية لاهاي 1954). كما تعتبر المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، أنَّ تعمُّد توجيه هجمات ضدّ المباني المخصصة للعبادة، والتعليم، والفنّ، والعلوم، والآثار التاريخية، يشكّل جريمة حرب. ولا يجوز التحلُّل من هذا الالتزام إلّا في حالات "الضرورة العسكرية القهرية" التي يُضيّق القانون الدولي في تفسيرها منعاً للإفلات من العقاب.
إنّ فقدان الحواضر التاريخية والمعالم الأثرية أثناء النزاعات المسلحة لا يشكّل مُجرّد خسارة مادية للدول، بل هو تدمير للإرث الثقافي المشترك للإنسانية. فالتاريخ الحديث شهد حوادث مأساوية أدّت إلى قصف وتدمير مدن عريقة ومعالم تاريخية بارزة. من قصف مدينة درسدن الألمانيّة (1945) ومدينة دبروفنيك الكرواتية (1991) وتدمير مدن تدمر وحلب القديمة (2012-2017) وصولاً إلى تدمير معالم مدينة الموصل (2017) وغيرها.
وإنّ المحكمة الجنائية الدولية في قضية "أحمد الفقي المهدي" (2016) بخصوص هدم الأضرحة التاريخية في تمبكتو (مالي 2012)، قد شكّلت سابقة عبر ارتكاز عقوبتها بالكامل للمرّة الأولى على جريمة تدمير الإرث الثقافي.
رابعاً: قصف صور وأهلها ومخطّط التهجير القسري
يُعرَّف التهجير القسري في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي (لا سيما المادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية) بأنّه ترحيل السكان أو نقلهم قسراً من المنطقة التي يتواجدون فيها بطريقة مشروعة، دون مبرّرات يسمح بها القانون الدولي، وهو يشكّل جريمة ضدّ الإنسانية أو جريمة حربٍ بحسب السياق. يُميّز القانون الدولي بين "الإخلاء المؤقت للمدنيّين" الذي تفرضه أحياناً الضرورات العسكرية المُلحّة أو أمن السكّان المدنيين (بشرط توفير مأوى آمن وإعادتهم فور توقّف الأعمال العدائية)، وبين "التهجير القسري" الذي يهدف إلى التغيير الديموغرافي الدائم أو يُنفَّذ كعقابٍ جماعيّ، وهو ما يُشكّل انتهاكاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكولين الإضافيين.
تاريخياً وحديثاً، هناك العديد من الأمثلة البارزة التي صنّفتها الهيئات الدولية أو المحاكم الجنائية الدوليّة كجرائم تهجير قسري. أبرزها: قيام النظام السوفياتي بتهجير التتار قسراً من شبه جزيرة القرم إلى أوزبكستان وسيبيريا (1944)؛ عمليات تهجير البوشناق (المسلمين) والكروات من قبل القوات الصربية بهدف إخلاء مناطق وإنشاء مناطق متجانسة عرقياً خلال حرب البوسنة والهرسك
(1992-1995)؛ حملات التهجير الواسعة النطاق والقسريّة للمجموعات العرقية غير العربية (مثل الفور والمساليت والزغاوة) في دارفور (السودان 2003) وتدمير قراها من قِبل القوات الحكومية وميليشيات الجنجويد لضمان عدم عودتها؛ التهجير القسري للروهينغا في ميانمار باتجاه بنغلاديش (بورما 2017).
إنّ تهجير صور عبر القصف والقتل وطلبات الإخلاء التهديديّة، كجزءٍ من مخطّط لتهجير الجنوب وتغيير الجغرافيا السياسيّة، يشكّل أحد أقسى أمثلة الهندسة الديموغرافية والتهجير القسري الجماعي.
هذه الجرائم تشكّل تهديداً لهويّة لبنان الثقافية واعتداءً على مبدأ وحدة الأراضي اللبنانية ووحدة الشعب اللبناني في حدوده المنصوص عليها في الدستور والمعترف بها دولياً. من المحرّمات السكوت عن انتهاك الدستور اللبناني الذي يُحرِّم التجزئة والتقسيم وفرز الشعب على أساس أيّ انتماءٍ كان، والذي يُشدّد على أنّ لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة.
خلاصة: أيّةُ عدالةٍ لصور؟
إنّ الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وفي صور ضمناً، لا تشكّل فقط جرائم حرب، بل ترقى إلى جرائم ضدّ الانسانيّة كونها اعتداءات ممنهجة وواسعة النطاق. وجرّاء مصادقة إسرائيل على إحدى عشرة معاهدة تتعلق بالقانون الدولي الإنساني (من أصل إحدى وثلاثين اتفاقية)، من ضمنها اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949 واتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية لعام 1954 وبروتوكولها الأوّل، فهي ملزَمة باحترام تعهداتها التعاقدية إضافة إلى احترام القانون الدولي الإنساني العرفي، والتوقف عن ارتكاب هذه الجرائم الفظيعة والمشينة.
للأسف، تحوّل أرجوان صور التاريخي إلى دمٍ تشهد الكرة الأرضيّة على شهرة إجرام صانعه. وللأسف أيضاً، يبدو الجميع مُطمَئنّاً إلى أنّ العدالة غائبة ومُغيّبة منذ خطف وتغييب عاشق صور، الإمام موسى الصّدر، رمز العيش المشترك. وللأسف، فإنّ العدالة الدولية لم تنل لا من نتنياهو ولا من سليم عياش (ولا من غيرهما طبعاً)، الأوّل فُرِضَت عقوبات أميركيّة على المحكمة الجنائية الدولية للحؤول دون محاكمته، والثاني تمّت محاكمته غيابياً وتمّ إقفال المحكمة الخاصة بلبنان عُنوةً عبر قطع التمويل من قبل المجتمع الدولي منعاً لاستكمال محاكمته ورفاقه في القضايا الأخرى. فالقانون لم يَعُد يحمي المغفّلين فقط، بل أصبح يحمي المجرمين أيضاً.
يجب الاتعاظ من النبوءات التوراتيّة التي حذّرت من سقوط صور نتيجة "الكبرياء"، فسفر حزقيال قد تنبّأ بالحصار البابلي والمقدوني لها. فحذارِ أن يعيد التاريخ نفسه، فحضارة صور أصبحت رهينة "أساطير أبابيل الانقضاضيّة" كوجه من وجوه الكبرياء المخدوع.
البروفسور أنطونيوس أبو كسم - "المدن"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|