عن غياب ال “ALLo” بين عون والشرع!
في 9 كانون الثاني من العام الماضي (2025)، انتخب جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، وبعد أقل من 48 ساعة سارع الرئيس السوري أحمد الشرع آنذاك، وكان قائداً للإدارة السورية الجديدة، بالاتصال وتهنئة عون. وفي 29 كانون الثاني تم تنصيب الشرع رئيساً للجمهورية السورية، وبعد نحو عشرة أيام أبرق عون مهنئاً الشرع.
في حزيران من العام الماضي، عندما هزّ تفجير إرهابي الكنيسة الأرثوذكسية في دمشق ونفّذه تنظيم داعش، سارع الرئيس جوزيف عون إلى إصدار بيان تعزية بالضحايا، داعياً السلطات السورية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار المأساة. غير أن البيان، على أهميته، أثار يومها امتعاضاً في الأوساط السورية، إذ اعتبر كثيرون أن التعزية كانت تستدعي اتصالاً مباشراً بالرئيس السوري أحمد الشرع، لا سيما أن الضحايا من أبناء سوريا. وبعد يومين من البيان، بادر عون إلى إجراء الاتصال.
اليوم، وفي آذار، تحت وطأة الضربات الإسرائيلية وما رافقها من قتل وتهجير ودمار في لبنان، أجرى الشرع اتصالاً برئيس الحكومة نواف سلام معلناً تضامنه، كما تواصل مع رئيس التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والنائب سامي الجميل. هنا أيضاً، ظهرت أصوات لبنانية تعترض على عدم اتصال الشرع بالرئيس عون. لكن جوهر القضية لا يكمن في الاتصال أو غيابه، بل في محاولات بعض الأصوات الاصطياد في المياه العكرة ودفع الرأي العام في لبنان وسوريا نحو حساسيات لا تخدم إلا من يريد توتير العلاقة بين البلدين.
الحقيقة أن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات التنسيق والتفاهم بين بيروت ودمشق. وقد حاول البعض استغلال مشهد الحشد العسكري السوري على الحدود مع لبنان لإثارة الشكوك، بينما الحقيقة تشير إلى أن دمشق تدرك جيداً أن هناك من يسعى إلى جرّ المنطقة بأسرها إلى مواجهة مفتوحة. لذلك عمل الشرع على تحصين سوريا من الانزلاق إلى الصراع الدائر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كما أظهر حرصاً واضحاً على إنهاء حضور الميليشيات المرتبطة بطهران داخل الأراضي السورية.
ومن هذا المنطلق تُفهم الإجراءات العسكرية على الحدود مع لبنان، وكذلك على الجبهة الشرقية مع العراق، إضافة إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في الجنوب السوري. فالمسألة ليست تصعيداً بقدر ما هي محاولة لحماية الأراضي السورية من أي استغلال قد يحوّلها منصة لصراعات الآخرين، أو مدخلاً لجرّ سوريا إلى معركة لا تريدها، فتداخل الأراضي قد يدفع بعض الجهات غير الشرعية إلى إطلاق الصواريخ من الأراضي السورية.
منذ اللحظة التي تسلّم فيها الشرع زمام الحكم، كان واضحاً أن سوريا تدخل مرحلة مختلفة. وقد قلت يومها إن التاريخ علّمنا الكثير عن حقبة بشار الأسد وما حملته من تدخلات قاسية في لبنان، و”100 ألف مرة أحمد الشرع ولا مرة واحدة بشار الأسد”. ومن حق الشرع، “القائد الثائر على الطغيان”، أن يُمنح فرصة كاملة ليكون رجل دولة. فالتاريخ نفسه يذكّر بأن كثيراً من قادة المنطقة، ومن بينهم زعماء في لبنان، خرجوا من رحم الحروب والقتل والتهديد والتفجير والذبح على الهوية والصراعات، قبل أن ينتقلوا إلى العمل السياسي وإدارة الدولة. ويُسجل للشرع أنه حافظ على وحدة سوريا بكل مكوناتها، ودخل البيت الأبيض ونسج أقوى علاقة مع المملكة العربية السعودية وبدأ يعيد دور سوريا في المنطقة. كل ما يُروّج عن تدخله بشؤون لبنان أو دخول عسكري هو محاولة مفضوحة من أبناء النفوذ الإيراني لإثارة الفتنة بين سوريا ولبنان.
في المقابل، جاء الرئيس جوزيف عون من المؤسسة العسكرية، ويقود عهداً يطمح إلى إعادة تثبيت الدولة اللبنانية وتعزيز سيادتها ضمن نظام يعطي الحكومة اللبنانية السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية الحكم ورأس الدولة وحاضناً للجميع. وبين الرجلين، عون والشرع، تبدو المصلحة المشتركة واضحة: استقرار بلدين يتقاسمان الجغرافيا والتاريخ والمصير.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال الإشارات الإقليمية الداعية إلى ترسيخ هذه العلاقة. فهناك رسالة واضحة “لا تغيير أو تبديل فيها” من المملكة العربية السعودية بضرورة أن تكون العلاقة بين لبنان وسوريا علاقة مستقرة وقوية، خالية من الشوائب، بما يخدم استقرار المشرق كله.
لهذا، فإن الحكمة تقتضي أن يُقرأ ما جرى في إطار أوسع من التفاصيل البروتوكولية. فكما عالج الرئيس عون مسألة الاتصال بعد حادثة الكنيسة خلال يومين، ليس مستبعداً أن يسلك الرئيس الشرع المسار نفسه متى اقتضت الظروف. وفي كل الأحوال، تبقى الحقيقة الأهم أن العلاقة بين بيروت ودمشق أكبر من مكالمة، وأعمق من لحظة عابرة. إنها علاقة تحتاج اليوم إلى من يحميها ويحصّنها، لا إلى من يزرع الشكوك في طريقها تحت عنوان “24 قيراط” أو تشبيه الشرع بنظام بائد، إذ سيأتي حينها الرد بتشبيه العهد بعهود سابقة فيما كل هذا لا علاقة له بالحقيقة.
محمد نمر - لبنان الكبير
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|