الصحافة

"مدعي عام الجمهورية"... كباش بين البازار والمعايير

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يتمدّد "التخبّط السياسي" ليصيب موقع "مدعي عام الجمهورية"، في ظلّ عجز المعنيّين عن إنتاج توافق يوازي حساسيّة هذا المنصب، بوصفه رأس النيابات العامة في لبنان، قبيل إحالة النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار إلى التقاعد خلال الساعات المقبلة.

ورغم أن الخطابات السياسية لا تخلو من تأكيد استقلالية السلطة القضائية وضرورة انتظام عملها، إلّا أن الممارسة الفعلية تكشف هوّة واسعة بين القول والفعل. فمع كلّ استحقاق قضائي، تعود آليات المحاصصة الطائفية لتفرض نفسها، في مقابل محاولات محدودة لإرساء معايير الكفاءة والاستقلالية.

وبحكم القانون، ستُناط مهام النائب العام لدى محكمة التمييز بالقاضي بيار فرنسيس بالإنابة، بصفته الأعلى درجة بين المحامين العامين التمييزيين، وذلك اعتبارًا من اليوم التالي لإحالة الحجار إلى التقاعد في 25 نيسان. هذه الآلية لا تستدعي أي إجراءات استثنائية أو مراسيم حكومية، ما يعكس وجود مسار قانوني واضح لاستمرارية المرفق القضائي، لكنه في الوقت نفسه يعكس غياب التوافق السياسي لتعيين نائب عام تمييزي أصيل.

ورغم أن اللجوء إلى التكليف أو الإنابة ليس أمرًا استثنائيًا، إلّا أن استمراره في ظلّ انتظام عمل الحكومة يثير تساؤلات حول أسباب تجنّب طرح التعيين، لا سيّما أن مجلس الوزراء ينعقد بشكل طبيعي، من دون إدراج هذا الملف في جدول أعماله أو حتى من خارج الجدول.

في موازاة ذلك، تتعامل بعض القوى السياسية مع هذا الموقع الحساس كجزء من "البازار السياسي"، وسط محاولات لفرض أسماء "مطواعة". غير أن مصادر قضائية تشير في موازاة ذلك، إلى أن المعايير الموضوعية لاختيار نائب عام تمييزي، لا تزال تحول دون بروز اسم يتمتع بالمواصفات الاستثنائية، ما يدفع نحو البحث بين القضاة المتاحين عن الأكثر ملاءمة، لا الأمثل لتولّي هذا المنصب.

وتشمل هذه المعايير خبرة في المحاكم الجزائية، وكفاءة قانونية، إلى جانب القدرة على التنسيق مع مختلف النيابات العامة، والأهمّ، أنها تشمل سجلًّا خاليًا من النزاعات مع زملاء في الجسم القضائي، بما يضمن الحدّ الأدنى من الانسجام داخل مرفق العدالة.

وفي خضمّ هذا المشهد، برزت مخاوف من محاولات خارجية غير مباشرة لاستنهاض "أبو عمر" ما، والتأثير في مسار التعيين، عبر الترويج لمرشح يحظى بدعم إقليميّ. غير أن هذه المعطيات التي رفعت أسهم أحد القضاة خلال الساعات الماضية، سقطت سريعًا، بعد تبيّن عدم وجود أيّ تدخل خارجي فعلي، ما يشير إلى أن بعض التسريبات لا تعدو كونها أدوات ضغط سياسية داخلية.

وتُفسَّر هذه الحملات أيضًا في سياق محاولة تطويق توجّه وزير العدل عادل نصار، الذي يسعى إلى تعزيز استقلالية السلطة القضائية، وتحميلها مسؤولية كبرى في انتظام عملها، تمهيدًا لمساءلتها عن أيّ تقصير، لا سيّما في ملفات الفساد وهدر المال العام، وفي تفعيل دور النيابات العامة وتنفيذ قرارات الحكومة.

ويُؤخذ على نصار خروجه عن الأعراف التقليدية في التعيينات، القائمة على المحاصصة الطائفية، إذ يعتمد مقاربة مختلفة تقوم على التشاور مع مجلس القضاء الأعلى واقتراح أسماء وفق معايير الكفاءة والنزاهة، بعيدًا من الاعتبارات السياسية.

ليست هذه المنهجية جديدة بالكامل، إذ سبق اعتمادها في تعيينات قضائية بارزة منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية وتشكيل حكومة نواف سلام، وشملت مواقع أساسية في الجسم القضائي، من بينها تعيين القاضي ماهر شعيتو نائبًا عامًا ماليًا، رغم وجود مرشح آخر، مدعوم سياسيًا من قبل رئيس مجلس النواب نبيه بري.

وأمام هذا الواقع، سيغيب ملف تعيين نائب عام تمييزي عن أعمال مجلس الوزراء اليوم، ولو من خارج الجدول، في ظلّ غياب وزير العدل عن الجلسة بسبب مشاركته في اجتماعات مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل. إلّا أن النقاشات الجانبية لم تغب، حيث طُرح اسم القاضي محمود مكية، الأمين العام لمجلس الوزراء، كخيار محتمل وحلّ.

ووفق معلومات "نداء الوطن"، عرض رئيس الحكومة نواف سلام على مكية تولّي المنصب، إلّا أنه رفض للمرة الثانية، بعدما سبق أن اعتذر عن قبول العرض نفسه من الرئيس نجيب ميقاتي وبتزكية حينها من نادي رؤساء الحكومات السابقين، قبل تكليف القاضي الحجار بهذا الموقع.

وعليه، تتوزع "بورصة" الترجيحات لتولّي أرفع منصب قضائي في لبنان، بين عدد من القضاة، من بينهم: أسامة منيمنة، أحمد رامي الحاج، ربيع حسامي، آلاء الخطيب، ومحمد صعب، إلى جانب القاضيتين رلى عثمان وزلفا الحسن. 

وإلى حين إنضاج قانون يعطي السلطة القضائية الاستقلالية الفعلية، سيبقى موقع "مدعي عام الجمهورية" رهينة التوازنات السياسية، في وقت يفترض أن يشكّل هذا المنصب ركيزة لاستقلال القضاء، وضمانة انتظام العدالة في لبنان. لكن، وبحكم القانون، سيكون القاضي بيار فرنسيس نائبًا عامًا تمييزيًا بالإنابة، بصفته الأعلى درجة بين المحامين العامين التمييزيين.

طوني كرم - نداء الوطن
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا