الصحافة

لماذا أطلق حزب الله صواريخه ليل الأحد - الاثنين؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يجوز وصف الحرب الدائرة في الإقليم اليوم بأنها حربٌ مفصلية، وربما "الحرب الأخيرة" بالمعنى السياسي للكلمة. فنتائجها لن تكون عابرة، بل مرشحة لأن ترسم صورة المنطقة لسنواتٍ طويلة. إنها معركةٌ مختلفةٌ في طبيعتها، وفي نوعية الأسلحة المستخدمة، وفي الأهداف المعلنة والمضمرة، وفي مستوى التصميم والإرادة لدى القوى المنخرطة فيها.

هكذا يقاتل أطرافها

بالنسبة إلى إسرائيل، تبدو الحرب مواجهةً ذات أبعادٍ توراتية. فتل أبيب تسعى إلى استثمارها لتصفية خصومها الإقليميين، وإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة. وفي خلفية هذا التصور، يبرز مشروع تفتيت الكيانات القائمة وفتح الباب أمام عمليات ترانسفير على الطريقة "الغزية"، بما يسمح بإحداث تعديلاتٍ ديمغرافيةٍ واسعة، تكون نتيجتها النهائية تثبيت تفوق إسرائيل وفرض توسيع حدودها بالقوة العسكرية.

في المقابل، تنظر إيران إلى الحرب أيضاً من زاويةٍ عقائديةٍ واضحة. وليس صدفةً أن يتعمد الحرس الثوري الإيراني في بياناته استخدام مصطلحاتٍ ذات دلالاتٍ دينيةٍ عميقة. فطهران تعتبر أن المواجهة الجارية يجب أن تفضي إلى نتائج حاسمةٍ تثبت تفوقها الاستراتيجي وتكرس حضورها الإقليمي. لذلك تبدو إيران، وهي في لحظة جرحٍ عميق، أكثر ميلاً إلى تقديم الخيار العسكري على المسار التفاوضي المجمد حالياً، بانتظار تحسين شروط التفاوض في مرحلةٍ لاحقة.

أما بالنسبة إلى "حزب الله"، فإن ما يجري يتجاوز كونه جولةً جديدةً من الصراع مع إسرائيل. فالحزب يرى أن حرب العام 2024 انتهت بنتائج قاسية عليه، كرست التفوق الإسرائيلي ووسعت هامش حرية الحركة العسكرية لتل أبيب ضده. فقد تعرضت بنيته لضرباتٍ موجعة، وسقط له مئات الشهداء، فيما تمكنت إسرائيل من ملاحقة كوادره واستهداف سلاحه وبيئته على نحوٍ شبه يومي.

سياسيا، كانت تلك الحرب أكثر إيلاماً. فاتفاق 27 تشرين الثاني 2024، بكل ما حمله من توازناتٍ أتت على حساب الحزب، شكل بالنسبة إليه محطةً اضطراريةً لا خيار فيها. فقد وافق عليه لأنه لم يكن أمامه بديلٌ آخر، لا لأنه كان خياراً مقبولاً بالكامل.

ومع ذلك، فإن الأشهر الخمسة عشر التي تلت الحرب، على قساوتها، أتاحت للحزب إعادة تنظيم صفوفه إلى حد ما، وقد استغلها على نحوٍ مهم من أجل إخفاء حقيقة ما يقوم به من عمليات تعافٍ. فعلى الرغم من خسارته نحو 500 مقاتل، تمكن من ترميم جزءٍ من قدراته، ونقل إمكاناتٍ عسكريةً مهمةً إلى منطقة التماس مع العدو، في الوقت الذي كان الجو كله يميل إلى أن الحزب بات فاقداً للمبادرة ومغلوباً على أمره. وبخلاف كثيرٍ من التقديرات التي تحدثت عن اختراقاتٍ عميقةٍ في بنيته، ظهر الحزب خلال المعركة الحالية أكثر انضباطاً وتنظيماً، وأكثر عزلةً عن الخروقات.

الأهم من ذلك أن الحزب يقاتل هذه المرة بروحيةٍ مختلفة. فليس هناك هجمات "بايجر" حيدت مقاتليه، أو غاراتٌ واسعةٌ استهدفت القدرات، أو أنه فاقدٌ لقيادةٍ بفعل الاغتيالات. ويبدو الآن أقل خضوعاً للضغوط السياسية، وأكثر استعداداً لخوض مواجهةٍ طويلة.

عملياً، يمكن النظر إلى الحرب الحالية بالنسبة إلى الحزب على أنها حرب تعديل التوازنات. فالحزب اختار توقيت دخوله المعركة بعناية، مستفيداً من التحول الكبير الذي أحدثه اغتيال المرشد الإيراني السيد علي خامنئي. وفي هذا السياق، لم يكن إطلاق الصواريخ الثلاثة في تلك الليلة مجرد رد عسكري محدود، بل إعلاناً عملياً عن قرار الانخراط في المواجهة.

في الوقت نفسه، شكل ذلك الإطلاق محاولةً لاستدراج إسرائيل إلى ميدان الاشتباك، وسحب المبادرة منها، ومنعها من تنفيذ ضربةٍ استباقيةٍ كبيرة.

بهذا المعنى، يكون الحزب قد اختار المعركة في توقيتٍ رآه مناسباً، مستفيداً من ظرفٍ إقليمي استثنائي فرضته الحرب على إيران. فأسوأ سيناريو كان بالنسبة إليه أن يترك وحيداً في مواجهة إسرائيل، حيث يمكن للأخيرة استخدام كامل ثقلها العسكري ضده.

انطلاقاً من ذلك، يبدو أن الحزب قرر نسف مجموعةٍ من الوقائع التي نشأت بعد حرب 2024 دفعةً واحدة. فبدخوله المعركة يكون قد أسقط عملياً مفاعيل اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، بكل مندرجاته ونتائجه وتبعاته.

ومع عودة الحزب إلى القتال على الحافة الأمامية جنوب الليطاني، يتضح أنه يسعى إلى فرض معادلةٍ جديدةٍ تقود في النهاية إلى اتفاقٍ مختلف، لا يشبه الاتفاق السابق. ولهذا السبب يفضل الحزب حاليا إبقاء قنوات التواصل محدودة، ويراهن على الميدان لتثبيت شروطه.

وتشير المعطيات إلى أن الحزب لن يذهب إلى أي نقاشٍ جدي حول وقف العمليات العسكرية قبل أن يلمس أن إسرائيل بدأت تدفع ثمناً ميدانياً واضحاً. وعند تلك اللحظة فقط يمكن فتح باب التفاوض، حيث سيكون الحزب لاعباً مركزياً إلى جانب رئيس مجلس النواب نبيه بري، متجاوزاً إلى حد بعيد دور الدولة اللبنانية التي طرحت بدورها أفكاراً تفاوضيةً ما زالت معلقة.

في هذا السياق، تبدو الحرب مرشحةً لأن تكون طويلة. فالأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، ربط صراحةً نهاية انخراط الحزب في القتال بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، واضعاً سقفاً واضحاً للمعركة.

ومن هنا، يبدو الحزب كأنه يسعى إلى فرض معادلة تفاوضٍ مباشر معه، متجاوزاً حتى السلطة السياسية اللبنانية. وهذا الخيار لا يرتبط فقط بنتائج الاتفاق السابق، بل أيضاً بقرارٍ استراتيجي يربط المسار العسكري بالمسار السياسي.

عند هذه النقطة، تتحول الدولة اللبنانية إلى متفرجٍ إلى حد بعيد. فرئيس الحكومة نواف سلام حاول إطلاق مسارٍ تفاوضي انطلاقاً من قرار الحكومة الصادر في 2 آذار، وطرح فكرة التفاوض المباشر، إلا أن مبادرته لم تجد صدىً فعلياً سوى لدى الجانب الفرنسي، الذي يواجه صعوباتٍ كبيرةً في تسويقها.

في المقابل، يبدو أن التطورات الميدانية تجاوزت تلك المبادرات، وربما تجاوزت أيضاً العهد نفسه، بوصفه أحد مفاعيل التسوية التي نتجت عن اتفاق 27 تشرين الثاني.

وهكذا، فإن الحزب، بإعادة فتح جبهة الحرب، يسعى عملياً إلى إسقاط نتائج المرحلة السابقة، وفرض شروطٍ جديدةٍ عبر الميدان. وبذلك تصبح المعركة الحالية محاولةً لإعادة صياغة التوازنات قبل أي تفاوضٍ محتمل.

أما الحد الأدنى الذي يبدو أن الحزب وضعه لنفسه، فهو الاستمرار في القتال لفترةٍ لا تقل عن شهر، لاستخلاص الرسائل الميدانية والسياسية قبل الانتقال إلى أي مسارٍ تفاوضي.

عبدالله قمح- المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا