مَن قاد حزب الله إلى هذه "الحفرة" ومَن يخرجه منها؟
سقطت كل الرهانات على "عقلنة" مَن يمتلك قرار التصرُّف بأي صاروخ ممّا تبقى لدى "حزب الله"، ومعها التطمينات التي نقلها "الأخ الأكبر" في أكثر من اتجاه. وعليه، فقد نقلت الصواريخ الـ15 التي أُطلِقت باتجاه إسرائيل فجر أمس، الرسالة الواضحة، عن وجود مَن لا يُريد استيعاب المتغيّرات في لبنان والمنطقة. فكانت "دعسته الناقصة" بكل المعايير، لتقوده إلى "حفرة عميقة" لا يمكن الخروج منها بسهولة. وبعدما عبَرَت الفرص الممكنة للخروج منها، هل من مخارج أخرى يمكنه سلوكها. وهذه بعض المؤشرات.
لم يكن أي مرجع سياسي أو ديبلوماسي مقتنعاً بأنّ هناك ما يكفي من الضمانات ليبقى لبنان بمنأى عن مجريات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعدما شملت العمليات العسكرية مساحة واسعة من دول الشرق الأوسط والخليج العربي من دون استثناء، بعد ما تسبَّبت به الغارات الأولى من خسائر إيرانية فادحة، ليس أقلّها اغتيال المرشد علي الخامنئي وعائلته ومساعديه في مقرّه، ومجموعة كبيرة من القادة العسكريِّين، بعدما استهدفت المواقع القيادية للجيش، الحرس الثوري، سلاح البحرية، والقوى الجو-فضائية والصاروخية، بالإضافة إلى قوى الأمن الداخلي، الباسيج، وغيرها من المؤسسات الاستخبارية، الأمنية، العسكرية، والمنشآت النفطية، النووية، الكهربائية، الاتصالات، والصناعات العسكرية.
على هذه الخلفيات، قرأت بعض المراجع الديبلوماسية والسياسية بقليل من الاستغراب، تبنّي الحزب لعملية إطلاق الصواريخ باتجاه الجليل الأعلى والمنطقة المحيطة بحيفا فجر أمس، من دون أي نتيجة تُذكَر، ما عدا أصواتها المزعجة، ذلك أنّ الخطوة لم تكن مستبعدة على الإطلاق. فالحزب لم يَشأ بَعد استيعاب المستجدات على مختلف ساحات المنطقة وما يجري في إيران، بعد أن ربط أي ردّ فعل له، بمصير المرشد علي الخامنئي الذي قُتِل في الغارة الأولى على مقرّه في قلب طهران. وعليه، لم يحتسب الحزب عند تبنّيه العملية أي حساب لردّ الفعل الإسرائيلي، كما بالنسبة إلى مصير مئات الآلاف من المهجّرين والمشرّدين في مناطق عدة من لبنان في ظل ظروف هي الأسوأ.
وإلى هذه المعطيات الإقليمية والدولية، لم يتجاوب الحزب مع مختلف المساعي التي بُذِلَت، بما فيها تلك التي أجراها المسؤولون اللبنانيّون، وفي مقدّمهم رئيس مجلس النواب نبيه بري بصفته "الأخ الأكبر"، الذي ما زال مكلّفاً بالحوار بالإنابة عمّا يمثله وقيادة الحزب، في مرحلة عبَّر فيها عن قلقه من أي مظهر من مظاهر الإسناد لإيران، بعدما بلغت كلفة إسناد غزة نكبات وكوارث، من دون أن يُقدِّم أي خدمة لغزة. وهو ما دفعه لضمّ جهوده إلى تلك التي يبذلها كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة التي صبّت للمرّة الأولى في اتجاه واحد عبّر عنه مجلس الوزراء في جلسته الاستثنائية أمس، بإعلانه "الحظر الفوري لنشاطات "حزب الله" الأمنية والعسكرية كافة، باعتبارها خارجة عن القانون، وإلزامه بتسليم سلاحِه إلى الدولة اللبنانية، وحَصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وتكليف الجيش اللبناني باستكمال مهمّته "حصر السلاح"، بما يُكرّس حصرية السلاح بيَد الدولة ويعزّز سيادتها الكاملة على امتداد أراضيها".
وانطلاقاً ممّا تقدّم، عبّرت مراجع سياسية وديبلوماسية عن قلقها من اعتبار إيران أنّ الحزب، وإن فقد أي دور من أدواره في المنطقة، لا يعني أنّ الهدف من إنشائه قد انتفى نهائياً، طالما أنّ إيران ما زالت في عين العاصفة نتيجة ما قادت إليه الحروب التي خاضتها أذرعها على الساحات اللبنانية، السورية، العراقية، الفلسطينية، واليمنية، عدا عن تلك القلاقل التي تسبَّبت بها في الإمارات، الكويت، البحرين، والمنطقة الشرقية في السعودية، على خلفية النظرية التي تقول إنّ الحرب الأخيرة التي تدور رحاها على الأراضي الإيرانية هي من أبرز الغايات التي قادت إلى تأسيس الحزب في منطقة بعيدة من الجغرافية الإيرانية.
ولِمَن يستغرب هذه القراءة أو يستخف بها، عليه العودة إلى القرار الإيراني الذي صدر العام الماضي، بترسيم حدود أمنها القومي في نطاق يبلغ شعاعه 5000 كيلومتر من حدودها الجغرافية، ما يؤدّي تلقائياً إلى ضمّ قسم كبير من البحر الأبيض المتوسط من ضمن هذه الرقعة الإيرانية الواسعة، وهو ما يُبرّر استهداف جزيرة قبرص بالطائرات المسيّرة أمس، وليس مهمّاً إن كانت هذه الطائرات قد انطلقت من لبنان أو من إيران، فالعملية في توقيتها وشكلها ومضمونها قد نُفِّذت بقرار إيراني.
وبعيداً من هذه القراءة بوجوهها الإقليمية والدولية المتعدِّدة، طُرح السؤال عن المَخرَج الذي يمكن أن تسلكه قيادة الحزب للخروج من المأزق الذي اقتادت إليه البلاد وبيئتها تحديداً، فرأت في ما اتخذه مجلس الوزراء من قرارات أمس، باباً واسعاً لخروجه من اللعبة الإقليمية والدولية وتجنُّب انقياد اللبنانيِّين إلى مثل هذه الحرب، على عتبة تشكيل شرق أوسط جديد، لا يمكن للبلاد أن تحتفظ بموقعها فيه، ما لم تكن حاضرة بكامل مقوّماتها السيادية، الدستورية والسياسية والعسكرية.
وفي الختام، لا ترى المراجع عينها إمكانية التوصّل إلى مخرج آمن لوقف المجزرة الجديدة التي دعت إسرائيل إلى ارتكابها في لحظة تاريخية تعيشها المنطقة. عدا عن مقتل قائد سرايا القدس في لبنان، كما تردّد عن مقتل رئيس استخبارات الحزب في بيروت حسين مقلّد وعشرات من المواطنين الآمنين.
جورج شاهين - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|