الهزيمة المستحيلة لأميركا والنصر المستحيل لإيران
منذ قيام الولايات المتحدة كقوّة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، تشكّلت صورة ذهنية عن قدرتها على خوض الحروب الطويلة دون أن تُهزم عسكريًا. وفي المقابل، بنت إيران منذ ثورة 1979 استراتيجية تقوم على الصمود والمقاومة غير المتكافئة. وعند تحليل أيّ صراع محتمل أو قائم بين الطرفين، تظهر معادلة معقدة يمكن وصفها بـ "الهزيمة المستحيلة لأميركا والنصر المستحيل لإيران".
لماذا تبدو هزيمة الولايات المتحدة مستحيلة؟
الولايات المتحدة تمتلك أضخم ميزانية دفاع في العالم، وتفوّقًا تقنيًا هائلًا في سلاح الجوّ والبحرية والفضاء السيبراني. انتشار قواعدها العسكرية في الخليج العربي، ووجود أساطيلها في البحار المفتوحة، يمنحانها قدرة على توجيه ضربات دقيقة وبعيدة المدى دون الحاجة إلى احتلال شامل. حتى في تجارب مثل العراق أو أفغانستان، لم تُهزم أميركا عسكريًا بالمعنى الكلاسيكي، بل واجهت تحدّيات سياسية واستراتيجية أدّت إلى إعادة التموضع. الفارق هنا مهمّ: الخسارة السياسية لا تعني الهزيمة العسكرية. وبالتالي، فإن أيّ حرب تقليدية مباشرة قد تُلحق بإيران أضرارًا جسيمة في بنيتها العسكرية والاقتصادية دون أن تتمكّن من إسقاط القوة الأميركية أو ردعها بشكل كامل.
لماذا يبدو النصر الإيراني مستحيلًا؟
إيران لا تسعى غالبًا إلى نصر عسكري شامل، لأنها تدرك اختلال ميزان القوى. استراتيجيتها تقوم على الردع غير المباشر، عبر الأذرع ، والقدرات الصاروخية، وإغلاق المضائق البحرية عند الضرورة. لكنها، حتى في أفضل سيناريواتها، لا تستطيع فرض استسلام أميركي أو إخراجها من المنطقة بالقوّة. أقصى ما يمكن أن تحققه هو رفع كلفة المواجهة إلى حدّ يجعل واشنطن تعيد حساباتها. هذا ليس نصرًا بالمعنى التقليدي، بل هو إدارة صراع طويل الأمد.
إذا كانت الهزيمة الأميركية مستحيلة، والنصر الإيراني مستحيلًا، فهل يمكن أن تنتهي الحرب بهزيمة إيران؟
من الناحية العسكرية البحتة، نعم، يمكن للولايات المتحدة أن تُلحق بإيران هزيمة. لكن السؤال الأهمّ: هل تعني الهزيمة العسكرية نهاية الصراع؟ التجربة التاريخية تشير إلى أن الدول ذات الأيديولوجيا الثورية والهوية القومية المتماسكة لا تنهار بسهولة، بل قد تتحوّل إلى نمط حرب طويلة غير تقليدية، ثم إن مفهوم "هزيمة إيران" يحتاج إلى تعريف دقيق:
هل المقصود إسقاط النظام؟
هذا الهدف يتطلّب مستوى مختلفًا من القوّة والتكلفة والمدّة الزمنية. إسقاط نظام سياسي في دولة بحجم إيران أمر شديد التعقيد، وقد يتطلّب تدخلًا بريًا واسعًا، وهو خيار مكلف سياسيًا وعسكريًا.
لا يمكن تجاهل أن إيران، رغم محدودية قدراتها مقارنة بأميركا، تملك أوراق ضغط إقليمية مؤثرة. أي مواجهة شاملة قد تمتدّ إلى ساحات متعدّدة، ما يرفع كلفة الحرب إقليميًا ودوليًا، ويؤثر على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
الحرب، إن توسّعت، قد تنتهي بإضعاف إيران عسكريًا، لكنها لن تنتهي بالضرورة بإلغاء دورها أو إنهاء نفوذها بالكامل. كما أن الولايات المتحدة قد تحقق تفوّقًا عسكريًا واضحًا دون أن تصل إلى "نصر حاسم" يغيّر الواقع الجيوسياسي جذريًا.
في عالم تتداخل فيه القوّة الصلبة بالقوّة الناعمة، لا يُقاس النصر فقط بعدد الضربات، بل بقدرة الطرف المنتصر على فرض استقرار دائم. وهذا هو التحدّي الحقيقي الذي يجعل الهزيمة مستحيلة هنا، والنصر مستحيلًا هناك.
جان الفغالي - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|