الصحافة

حزب الله يحبس أنفاسه: إيران تشتعل ولبنان يحيّد نفسه

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

وقعت الواقعة. ضربت إيران. فماذا بعد؟ كيف يتصرف لبنان في قلب العاصفة؟ لم يكن الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران حدثًا عابراً في سجل الاشتباك المزمن في الشرق الأوسط، بل تحولاً نوعياً ينقل المنطقة من منطق الردع المتبادل إلى منطق كسر الإرادات. لم يعد السؤال إن كانت المواجهة ستتوسّع، بل كيف وأين ومتى. وماذا عن لبنان، بحكم الجغرافيا والارتباطات السياسية والعسكرية؟

في البيان الأول، أعلن حزب الله أنه غير منخرط في الحرب، معتبرًا أن طهران تملك القدرة على المواجهة. هذا الموقف ليس تفصيلاً؛ إنه رسالة مزدوجة: طمأنة داخلية إلى أن لبنان لن يُستدرج تلقائيًا، وإشارة خارجية إلى أن قرار فتح الجبهة ليس آليًا.

لكن الحزب وضع خطًا أحمر واضحًا: مصير المرشد الأعلى علي خامنئي. استهدافه ، إن ثبت، لا يكون حدثًا تكتيكيًا بل زلزالًا استراتيجيًا، لأن رمزية الموقع تتجاوز الشخص إلى شرعية النظام نفسه. عند هذه النقطة، قد تتغيّر الحسابات، ويُعاد تقييم قرار "عدم الانخراط". ومع ذلك، تشير دوائر قريبة من طهران إلى أن المعركة وُصفت منذ اللحظة الأولى بأنها وجودية، وأن الاستعدادات لسيناريوهات قاسية، بما فيها انتقال الصلاحيات، كانت قائمة سلفًا، بما يضمن استمرارية القرار حتى في أسوأ الاحتمالات.

في المقابل تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية واضحة لجهة الانتقال من استنزاف الأذرع إلى استهداف المركز. ما جرى في طهران يستحضر النموذج اللبناني: تركيز على قادة الصف الأول، محاولة ضرب الرمزية، وخلق صدمة سياسية ومعنوية تسبق أي انهيار عسكري. الفارق أن إيران ليست ساحة مكشوفة. إنها دولة ذات مؤسسات، وقدرات صاروخية، وشبكات تحالف ممتدة.

هنا يبرز سؤال محوري: هل تلقّت طهران تطمينات أو إشارات لم يلتزم بها من قطعها؟ وهل كان تقديرها أن السقف الإسرائيلي الأميركي لن يبلغ حدّ استهداف رأس النظام؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد طبيعة الرد، لأن الرد دون مستوى الضربة يفتح باب الردع المنكسر، فيما الرد المتناسب يفتح باب الحرب المفتوحة.

لا يمكن قراءة المواجهة بمعزل عن موقع الصين وروسيا. الصين، المستورد الأكبر للطاقة، تنظر إلى استقرار الخليج كمسألة أمن قومي اقتصادي. وروسيا، المنخرطة في صراعها المفتوح مع الغرب، ترى في إيران شريكاً في معادلة توازن القوى. لكن كلا البلدين يتحاشى الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. السؤال: هل يكتفيان بالدعم السياسي واللوجستي، أم يذهبان إلى أبعد من ذلك إذا طال أمد الحرب؟ هذا مع العلم أن تغيير رأس النظام في فنزويلا لم يمنع من تصدير النفط للصين بموافقة ترامب، وأن أمريكا اعترفت لروسيا بوضع اليد على ما يزيد عن 20% من الأراضي الأوكرانية .

في بيروت، سادت حالة حبس أنفاس. تنسيق بين الرئاسات، اتصالات دبلوماسية مكثفة، ورسالة واحدة: لا انخراط. الموقف المعلن تجنّب التموضع إلى جانب طهران، مع التشديد على سيادة الدول العربية وإدانة أي انتهاك لها. إنها سياسة "الحياد الواعي": لا عداء معلن لإيران، ولا اصطفاف في حربها.

رسالة أميركية نقلها السفير ميشال عيسى إلى رئيس الجمهورية تحدثت عن عدم نية إسرائيل فتح جبهة مع لبنان. لكن التجارب السابقة تجعل الضمانات ظرفية. القرار النهائي في تل أبيب قد يتبدل إذا رأت إسرائيل فرصة لاستكمال ضرب حزب الله بعد إنهاك إيران.

الفرضية قائمة. إسرائيل قد ترى أن اللحظة مؤاتية لإغلاق الجبهة الشمالية نهائيًا، خصوصًا إذا اعتقدت أن الحزب في أضعف حالاته أو أن طهران منشغلة بوجودها. لكن الكلفة ليست بسيطة: فتح حرب في لبنان يعني صواريخ على العمق الإسرائيلي، وتعطيلًا طويلًا للحياة الاقتصادية، ومخاطرة بتوسيع النزاع.

في المقابل، الحزب في حرج استراتيجي. حرب إسناد جديدة قد تستنزفه وتسرّع محاولة عزله داخليًا. والصمت الطويل قد يُفسَّر كابتعاد عن محور يعتبر نفسه في معركة وجود. المعادلة دقيقة: البقاء خارج الحرب يحمي الداخل، لكن تجاوز "الخط الأحمر"؛ أي استهداف خامنئي ، قد يدفعه إلى قلب الطاولة.

لكنّ لبنان اليوم في أمسّ الحاجة إلى دعم عربي، خصوصًا من قطر والسعودية، في ظل التحضير لمؤتمر دعم الجيش وإعادة الإعمار. التموضع المتوازن يهدف إلى عدم خسارة هذا الدعم. فالبلد المنهك اقتصاديًا لا يحتمل حربًا جديدة، ولا عزلة إضافية.

إذا صمدت إيران ونجحت في امتصاص الضربة والرد بما يحفظ توازن الردع، ستخرج أقوى سياسيًا، حتى لو دفعت ثمنًا عسكريًا. أما إذا أُضعفت بصورة بنيوية، فقد تنطلق مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية أميركية–إسرائيلية، تتقدم فيها مسارات التطبيع وتتراجع محاور الممانعة.

المنطقة دخلت طور حرب طويلة، قد تتحول إلى استنزاف متعدد الجبهات. ما يجري ليس مجرد جولة عسكرية، بل صراع على شكل النظام الإقليمي المقبل. ولبنان، بحكم موقعه وتركيبته، ليس لاعبًا رئيسيًا في القرار، لكنه ساحة محتملة لأي ارتدادات.

حتى اللحظة، لا تزال الأمور تحت السيطرة الهشة. لكن في حروب من هذا النوع، حادث واحد كفيل بإسقاط كل الحسابات. المعركة في بدايتها، والسيناريوهات مفتوحة بين احتواء محدود وحريق واسع يعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط.

غادة حلاوي - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا