الدولة "تكوّع"
منذ دخولنا في فترة عيدي الميلاد ورأس السنة، صدرت مجموعة من المواقف عن بعض المسؤولين، تظهر في سياقها وكأن الدولة اللبنانية باتت تتمتع بعضوية نادي "المكوعين" الشهير الذي برز عقب سقوط نظام الأسد، بعدما كان موقفها العام يتأرجح ما بين الحياد السلبي والميل نحو محور الممانعة، على إيقاع حماية كبار ضباط النظام الساقط وزبانيته، والذين اتخذ بعضهم من لبنان ممرًا نحو جهات أخرى، وبعضهم الآخر مستقرًا، وكذلك العراقيل السلبية، بل والمفتعلة في قضية الموقوفين السوريين، والتي صار عمرها سنة من الوعود.
أبرز هذه الخطوات صدرت عن رئيس الجمهورية، بدءًا من موقفه المتقدّم بإبداء استعداده لتحمل المسؤولية السياسية للقرارات المطلوبة من أجل تسهيل الحلول في مسألة الموقوفين السوريين، وتشعباتها بين المحكومين وقيد المحاكمة، وبين اللبنانيين والسوريين. مرورًا بالاتصال الذي تلقاه من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ودلالاته، ولا سيما بعد توقيع الاتفاق البحري مع قبرص، ووقوع لبنان في صلب صراع نفوذ جيوسياسي بين تحالفين إقليميين، تشكل تركيا ركنًا ركينًا في أحدهما. وانتهاءً بالبيان الذي أصدره غداة التفجير الإرهابي في مسجد بحمص، وما تضمنه من عبارة لافتة للغاية بالحديث عن توجّه الرئيس جوزاف عون إلى "أخيه" الرئيس السوري أحمد الشرع.
مصطلح الأخوة ها هنا يتجاوز فكرة انبعاث مفردات خطاب القومية العروبية وما يناظرها من شعب واحد في بلدين وخلافه، ويندرج ضمن سياق محدد وهو "الأخوة" في عبور نفس الدرب الذي سلكه الرئيس السوري أحمد الشرع للوصول إلى لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والحصول على الغطاء الأميركي – الترامبي. يريد الرئيس جوزاف عون دخول البيت الأبيض من البوابة السعودية لا من البوابة الإسرائيلية. وبالتالي، المخاطب الأساسي هو المملكة التي تعمل على ترتيب علاقة بيروت بواشنطن، ورأب التصدعات التي أطاحت بزيارة قائد الجيش، وأول الغيث إعادة جدولة الزيارة. يعلم رئيس الجمهورية أن عبور هذا الدرب يستلزم تطوير العلاقة مع دمشق، ومواجهة تحديات لم يعد بالإمكان التملص منها.
في طليعتها إيجاد حلول جدية لقضية الموقوفين السوريين يعمل الرئيس جوزاف عون على بلورتها سريعًا، بالتعاون مع الرئيس نواف سلام وشركاء سياسيين في الحكومة، مع وجود تعهدات مقدمة لإطلاق دفعة منهم على الأقل، كخطوة على الحساب تعزز مصداقية الدولة، وتحول دون إجراءات متدرجة بدءًا من الشهر الجاري تلوح بها سوريا ردًا على السلبية اللبنانية، وقد تصل إلى حدّ إقفال الحدود، مع ما لهذه الخطوة من تأثيرات سياسية واقتصادية واجتماعية.
بالتوازي مع طرح قضية فلول نظام الأسد من ضباط ومسؤولين كبار يتخذون من لبنان قاعدة لصناعة ورعاية أعمال تحريضية وتخريبية تهدد الاستقرار الهش في مرحلة انتقالية محفوفة بمخاطر شديدة على وحدة سوريا، بالتعاون مع أطراف فاعلة تبدأ بإسرائيل ولا تنتهي بـ "قسد".
خلال الأشهر الماضية، اتُهم الرئيس جوزاف عون بالمبالغة في محاباة "حزب الله" ومن معه وخلفه من قبل دمشق وجهات إقليمية ودولية، لذلك كان لا بد من إظهار تحوّل صريح في الخطاب الرسمي للدولة كخطوة أولى. على أن يتلوها طرح قضية مواجهة انتشار بؤر الفلول على طاولة مجلس الوزراء لاتخاذ قرارات وسياسات رسمية لتفكيك معسكرات تدريب عديدة تحظى برعاية أطراف محلية وإقليمية، وخصوصًا "الحزب" وإيران، وكذلك ضباطًا ضمن الأجهزة الأمنية اللبنانية، قبل أن تنفجر العلاقة مع دمشق مع توالي الهجمات التخريبية المنطلقة من لبنان.
يمكن تلمس واحد من مؤشرات هذه الخطوة في تغريدة نائب رئيس الحكومة طارق متري، والتي ترمي أيضًا إلى تشديد الضغط الحكومي على الأجهزة الأمنية، ولا سيما أنه حينما التقى الرئيس السوري أحمد الشرع منذ أسابيع زوده الأخير بإحداثيات مفصلة حول انتشار مجموعات مسلحة وارتباطاتها، سبق أن مررت إلى الأجهزة الأمنية عبر القنوات النظامية.
يعلم رئيس الجمهورية أن مسألة الفلول لها مضاعفات خطيرة تصل إلى تهديد الاستقرار الداخلي، مع تصاعد الاحتقان على الصعيدين السني والمسيحي على وقع الضغوطات السياسية والإعلامية الغربية والعربية إزاء تغلغلهم المفرط في المناطق اللبنانية، وخصوصًا كبار ضباط جيش النظام، ومنهم جميل الحسن وسهيل الحسن، وغيرهما من الخاضعين لعقوبات أميركية وأوروبية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. بالإضافة إلى ما حملته حادثة مقتل ضابط سابق في أدما من نُذر سلبية.
الأسوأ من ذلك أن عدم اتخاذ لبنان قرارات جدية في مسألة الفلول، سواء بالسجن أو بالترحيل، وتاليًا انفجار العلاقة المتوترة مع دمشق يجعل الأخيرة في حالة تحفز لمعالجة المسألة بنفسها، إذ لا يمكن لأي دولة القبول بتحول دولة جارة إلى قاعدة تهديد لها، بمعزل عن رأي البعض في النظام الجديد. بالتزامن مع المعلومات الواردة من أميركا حول منح ترامب لنتنياهو الضوء الأخضر لضربة عسكرية على "حزب الله"، بما يجعل البلاد في مواجهة سيناريو إطباق مزدوج يحتاج تفكيكه إلى خطوات وقرارات مسؤولة.
سامر زريق - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|