ما وراء التصعيد في سوريا: إسرائيل تريد استسلاماً كاملاً
هل اتخذت إسرائيل قراراً بإسقاط الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، لتعميم الفوضى في سوريا، والقضاء على أيّ فرصة لتوحيد البلاد؟ بالتأكيد، ثمّة أهداف عملانية وعسكرية للغارات والإنزالات التي جرت في مناطق مختلفة من جنوب سوريا، أوّل من أمس، ولكن تلك الأهداف موجودة دائماً، في حين أن ما يهمّ هنا هو التوقيت، الذي يأتي بعد تصريحات نُقلت عن الشرع خلال استضافته إعلاميين عرباً، وأوحت بأن الأخير ما يزال يناور حيال الطلبات الإسرائيلية المتصلة بالجنوب السوري، والمتمثّلة بالتنازل عن الجولان المحتل، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح ومهندَسة ديموغرافياً، وانفصال السويداء مع إقامة ممرّ يربطها بالجولان تحت عنوان الممر الإنساني.
بناءً على ما تقدّم، تظلّ إسرائيل تعتبر أن اللغة المهادِنة التي يعتمدها الشرع تجاهها، لا تعدو كونها إستراتيجية تمكين، في انتظار تثبيت حكمه، ونشوء ظروف مختلفة تمكّنه من التفاوض من موقع أقوى. ثمّ إن الشرع مرتبط بتركيا التي تريد سوريا مختلفة، ما يجعل صراعها مع إسرائيل على الأرض السورية أكثر حدّة، ويدفع بالأخيرة إلى المسارعة إلى اغتنام الفرصة المتاحة، وتثبيت المكاسب التي حقّقتها هناك باعتبارها أمراً واقعاً.
على أن الخطأ الذي ارتكبه الشرع ومعه تركيا، هو وضع كلّ رهاناتهما في سلة أميركا، بهدف رفع العقوبات الخانقة عن سوريا، ليتّضح أن الوعود التي تلقّاها هو وأنقرة من الأميركيين مجرّد خديعة، تهدف إلى حشرهما في زاوية يجدان نفسيهما معها مجبرَين على الاستجابة للشروط الإسرائيلية. فمرّة أخرى، يتّضح، في خلال الحرب المستمرة منذ عامين، أن التمايز بين أميركا وإسرائيل يطال الشكل وليس الجوهر، لا بل يمكن أن ينطوي على تبادل أدوار بينهما، وأنه في كلّ مرّة تخطو فيها إسرائيل خطوة رئيسية في غزة أو سوريا أو لبنان، يتّضح أن واشنطن تساندها تماماً، حتى لو بدا الموقف الأميركي مغايراً في البداية؛ علمًا أن القاعدة هذه تنطبق حتى على مجاعة غزة وعلى جرائم إسرائيلية فضائحية ومسيئة إلى سمعة الولايات المتحدة، من مثل اغتيال الصحافيين بالجملة، في القطاع أخيراً.
وفي ما يتصل بسوريا، لم تخفِ إسرائيل أن أحد شروطها هو ألا يكون هذا البلد تحت السيطرة التركية، التي تعتبرها العائق الأول أمام تحقيق أهدافها، نظراً إلى أن لتركيا مصلحة أكيدة في وحدة سوريا، وأن سوريا موحّدة، بمعزل عن شكل نظامها، تكون في موقف أقوى لرفض الشروط الإسرائيلية. كذلك، تتعامل إسرائيل مع الشرع بوصفه قوياً وضعيفاً في الوقت نفسه؛ هو قوي لإمساكه بقسم من الشارع - إلى الآن -، وليس بالفصائل المسلحة، وضعيف من حيث أنه لا يملك المقدّرات لحكم بلد ذي كثافة سكانية وواسع وفقير جداً، لا يمكنه إنهاضه إلا بالمساعدات والاستثمارات الخارجية، تحت طائلة تحوّل الوضع الاقتصادي نفسه إلى خطر على النظام الجديد.
وما يجري فعلياً، هو تفاعل بين هذين الضعف والقوة؛ فالإمساك بشعبيةٍ ما يعطي شرعية، يمكن للتنازلات المفرطة في وجه إسرائيل أن تضعفها بشكل كبير، في حين أن الافتقار إلى أدوات الحكم، أي المال، يدفع في اتجاه التنازل. وما تقوم به إسرائيل بالضبط هو الضغط بهذه الثنائية، إذ تستفيد من «شرعية» الشرع، ولو كانت منقوصة، إذا قبِل بالتنازل، خصوصاً عن الجولان، وفي الوقت نفسه تستخدم القوة العسكرية لإجباره على ذلك التنازل.
غالباً، سيجتمع الشرع مع رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، في أيلول المقبل، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، والتي تسعى إسرائيل إلى الوصول إليها باتفاق يحقّق كل أهدافها. وإذا وقّع الشرع على هذا الاتفاق، سيكون قد أنجز المهمة التي جيء به من أجلها، وربما يغدو نهجه الدموي عندها عبئاً على من جاؤوا به، وتصبح لهم مصلحة في شخصية ليست على يديها دماء، من الشخصيات السياسية للمعارضة التي همّشها الرئيس الانتقالي، من مثل الرئيس السابق لـ«الائتلاف الوطني السوري»، معاذ الخطيب، على سبيل الذكر لا الحصر.
في المحصلة لا يبدو أن إسرائيل مستعدة للتعايش مع الشرع، بسبب طبيعة تكوينه وعلاقاته الداخلية والخارجية، والتي قد تحول دون قبوله بتحقيق أهداف العدو كاملة، بدليل الاستمرار في توجيه الضربات إلى قواته رغم كلّ المهادنة التي أظهرها. وبمعزل عن العوامل الكثيرة الأخرى التي أفضت إلى إسقاط النظام السابق، فإن إسرائيل تعتبر أنه ما كان لهذا أن يتمّ لولا الظروف التي أوجدتها هي؛ وبالتالي هي من تملك ناصية تشكيل سوريا الجديدة. وليست الرسائل التي بعثت بها إلى الشرع خلال أحداث السويداء، وخصوصاً قصف مقر رئاسة الأركان ومحيط قصر الرئاسة في دمشق، إلا تأكيداً لاستعدادها للذهاب إلى المدى الأبعد من أجل تحقيق أهدافها، بما في ذلك عبر اغتيال الرئيس الانتقالي جسدياً.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|