من AI إلى SI... لماذا يريد ترامب تغيير اسم الذكاء الاصطناعي؟
بين القرار السيادي والتقدير العسكري: أين تقف صلاحيات قائد الجيش في القانون اللبناني؟
في الأزمات الكبرى، قد يبدو السؤال بسيطاً: إذا اتخذت الحكومة قراراً دفاعياً أو أمنياً، فهل على الجيش تنفيذه حرفياً، أم أن لقائده هامشاً يسمح له بتقدير إمكان التنفيذ وتوقيته وظروفه، وربما الطلب من السلطة السياسية إعادة النظر فيه؟
قانوناً، الجواب يقع في منطقة دقيقة بين مبدأين: خضوع القوات المسلحة للسلطة السياسية الدستورية، واستقلال القيادة العسكرية في التقدير المهني والعملياتي ضمن حدود المهمة المقررة سياسياً.
الحكومة صاحبة السياسة الدفاعية
نقطة الانطلاق هي المادة 65 من الدستور اللبناني. فهي لا تكتفي بإناطة السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، بل تنص صراحة على أنه «السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة»، وتمنحه وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على الإدارات والمؤسسات العسكرية والأمنية. كما تعتبر الحرب والسلم والتعبئة العامة من المواضيع الأساسية التي تستوجب أكثرية الثلثين المحددة دستورياً. وتتكامل هذه القاعدة مع المادة 49 التي تجعل رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه خضوع هذه القوات لسلطة مجلس الوزراء.
أما قانون الدفاع الوطني، المرسوم الاشتراعي رقم 102/1983 وتعديلاته، فيترجم هذه الهندسة الدستورية، حيث أن السياسة الدفاعية والأمنية العامة تحددها السلطة السياسية، بينما تتولى المؤسسات العسكرية المختصة إعداد الجيش وقيادته وتنفيذ المهمات الموكولة إليه. إذاً، ثمة قاعدة أولى، قائد الجيش لا يملك سياسة دفاعية خاصة به، والمجلس العسكري لا يشكل سلطة دستورية موازية لمجلس الوزراء.
وزير الدفاع وقائد الجيش والمجلس العسكري
وزير الدفاع هو رأس وزارة الدفاع سياسياً وإدارياً، وقائد الجيش مرتبط به وفق التنظيم القانوني للمؤسسة. إلا أن الوزير نفسه لا يستطيع الحلول محل مجلس الوزراء في الاختصاصات التي أناطها الدستور بالحكومة مجتمعة. أما قائد الجيش، فتقع في صلب مسؤولياته قيادة الجيش وإعداده للمهمات ورفع جاهزيته وقيادة العمليات العسكرية. وهنا تظهر خصوصية وظيفته، فهو مرؤوس للسلطة السياسية من حيث القرار السيادي، لكنه صاحب اختصاص مهني في المجال العسكري.
كذلك، فإن ما يسمى أحياناً «مجلس القيادة» هو، في المصطلح القانوني، المجلس العسكري. وقد أعطاه قانون الدفاع صلاحيات تتعلق خصوصاً بتنظيم المؤسسة والتشكيلات والترقيات وشؤون الضباط ومعاونة قائد الجيش، لكنه لم يمنحه سلطة إلغاء قرارات مجلس الوزراء أو تعديل السياسة الدفاعية للدولة.
ماذا لو كان القرار مشروعاً لكن تنفيذه أصبح متعذراً؟
هذه هي المسألة الأصعب. لنفترض أن مجلس الوزراء اتخذ قراراً صحيحاً دستورياً، وحدد هدفاً معيناً، ثم تبين للقيادة العسكرية، أثناء التحضير أو التنفيذ، أن الظروف الميدانية تبدلت بصورة جوهرية، أو أن الوسائل المتاحة غير كافية، أو أن الجدول الزمني الموضوع لم يعد قابلاً للتطبيق.
هل تنفذ القيادة القرار كما هو مهما حصل؟ القول بذلك يحوّل القيادة العسكرية إلى مجرد جهاز ميكانيكي، وهو أمر لا ينسجم مع طبيعة الاختصاص الذي أناط بها القانون ممارسته. لكن العكس أخطر، أي اعتبار قائد الجيش مخولاً إلغاء قرار الحكومة لأنه يختلف مع تقديرها، فهذا ينقل القرار السيادي من السلطة المدنية إلى المؤسسة العسكرية ويصطدم مباشرة بالمادة 65.
والحل يكمن في التمييز بين القرار والوسيلة.
للسلطة السياسية أن تحدد الغاية. وللقيادة العسكرية أن تحدد، ضمن صلاحياتها، كيفية تنفيذ المهمة عسكرياً، وأن تقيّم القدرات والمخاطر والظروف العملية. وإذا طرأت معطيات جوهرية تمس قابلية التنفيذ، تستطيع ـ بل قد تقتضي مسؤوليتها المهنية ـ أن تضع الحكومة أمام هذه المعطيات وأن تطلب إعادة تقييم القرار أو توقيته أو آلية تطبيقه. لكن طلب إعادة النظر ليس حقاً في نقض القرار.
ماذا تقول التجارب المقارنة؟
هذه الثنائية ليست لبنانية. ففي فرنسا، مثلاً، ينص الدستور على أن الحكومة تحدد سياسة الأمة وتقودها وتكون القوات المسلحة بتصرفها، فيما يكون رئيس الجمهورية رئيساً للقوات المسلحة ورئيساً لمجالس الدفاع. ويتولى رئيس الوزراء مسؤولية الدفاع الوطني. وفي المقابل، يتولى رئيس أركان القوات المسلحة، تحت سلطة رئيس الجمهورية والحكومة، القيادة الفعلية للعمليات ويعمل مستشاراً عسكرياً للحكومة. أي إن الفصل واضح بين سلطة القرار السياسي والخبرة العسكرية في التنفيذ.
وفي الولايات المتحدة يظهر المبدأ بصورة مختلفة مؤسساتياً ولكن مماثلة في جوهره، فالسلطة المدنية تحدد المهمة، بينما يمنح القانون قادة القيادات العسكرية صلاحيات واسعة في توجيه القوات وتنظيمها واستخدامها لتحقيق المهمة الموكلة إليهم، ما لم يقرر الرئيس أو وزير الدفاع خلاف ذلك.
أما عربياً، فيقدم الأردن نموذجاً مفيداً للمقارنة. فالدستور يجعل مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة شؤون الدولة، بينما أنشأت التعديلات الدستورية مجلس الأمن القومي المختص بالشؤون العليا المتعلقة بالأمن والدفاع والسياسة الخارجية، ويضم في عضويته رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية وقائد الجيش ومديري المخابرات والأمن العام، وتصبح قراراته نافذة بعد تصديق الملك. كما يحصر الدستور مهمة الجيش في الدفاع عن الوطن وسلامته.
والمغزى المقارن مهم: وجود العسكريين داخل آلية صنع التقدير الدفاعي لا يعني انتقال القرار السياسي إليهم.
هل يوجد «هامش امتناع» لقائد الجيش؟
لا يمنح القانون اللبناني قائد الجيش سلطة عامة لتعليق قرار الحكومة لأنه يعتبره غير مناسب. كما لا يمنح المجلس العسكري حق «الفيتو» على السياسة الدفاعية. لكن بين «الطاعة العمياء» و«رفض القرار» توجد مساحة ثالثة أكثر دقة، التقدير العملياتي المسؤول. فإذا تعذر تنفيذ القرار بالصورة المفترضة بسبب وقائع ميدانية جدية، تستطيع القيادة العسكرية أن تحدد الصعوبات، وتقترح البدائل، وتعيد ترتيب وسائل التنفيذ ضمن صلاحياتها، وأن تعود إلى السلطة السياسية عندما يصبح المطلوب تغييراً يمس جوهر المهمة أو هدفها أو قرارها السيادي.
وهنا يمكن صياغة معيار قانوني عملي: كلما تعلق التعديل بكيفية تنفيذ المهمة بقي أقرب إلى الاختصاص العسكري، وكلما مسّ الهدف السياسي نفسه، انتقل القرار إلى مجلس الوزراء.
لا استقلال عن السياسة ولا إلغاء للخبرة العسكرية
الدولة الدستورية لا تريد جيشاً يصنع السياسة، كما أنها لا تريد قيادة عسكرية لا تستطيع إخبار السلطة السياسية بأن قراراً ما أصبح، وفق المعطيات المهنية، غير قابل للتنفيذ بالصورة الموضوعة. لذلك، فإن العلاقة السليمة ليست علاقة تنازع صلاحيات، بل توزيع مسؤوليات. الحكومة تقرر وتتحمل المسؤولية السياسية والدستورية. وزير الدفاع يمارس اختصاصاته القانونية داخل الوزارة. قائد الجيش يقود المؤسسة والعمليات ضمن المهمة الموكلة إليه. المجلس العسكري يمارس الاختصاصات التي حددها له القانون.
وعندما تتغير الظروف، تستطيع القيادة العسكرية أن تقول للسلطة السياسية: المعطيات تغيرت، وهذه هي المخاطر والبدائل، ونوصي بإعادة التقييم. لكنها لا تستطيع أن تضيف من عندها: وبالتالي ألغينا قراركم.
ذلك هو الخط الفاصل بين الاحتراف العسكري والقرار السيادي، وبين دولة تقود جيشها وجيش يحل محل الدولة.
المحامي ميشال فلاّح - ليبانون ديبايت
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|