خريف الانتظار: المراوحة نحو تسوية أم نحو انفجار؟
يبدو لبنان مقبلًا على أشهر حاسمة، لكن من دون أن تكون لديه حتى الآن إجابة واضحة عن السؤال الأساسي: هل تتجه البلاد نحو تسوية سياسية وأمنية تعيد الاعتبار الى الدولة، أم أن المراوحة الحالية ستتحول إلى مرحلة جديدة من التصعيد المفتوح في الجنوب
المشهد اللبناني اليوم لا يوحي تسويةً قريبة، لكنه لا يوحي أيضاً حرباً شاملة حتمية. إنه أقرب إلى حالة معلّقة بين مسارين: مسار ديبلوماسي يتحرك ببطء شديد، ومسار ميداني يتقدم بسرعة أكبر.
وبين الاثنين، تحاول الدولة اللبنانية الحفاظ على ما تبقى من هامش المناورة، فيما أصبح ملف سلاح "حزب الله" جزءاً لا يتجزأ من أي بحث في مستقبل لبنان وعلاقته بإسرائيل والمجتمع الدولي.
الجولة الثامنة من مفاوضات روما، التي كان يفترض أن تعقد في أيلول، لم يثبت موعدها بصورة نهائية. وإذا كان التأجيل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول احتمالاً لا يزال مطروحاً، فإن لبنان يواجه خطر الدخول في مرحلة انتظار طويلة. فالمفاوضات ترعاها واشنطن، والقرار النهائي في استئنافها يرتبط بمدى استعداد الإدارة الأميركية لاستخدام نفوذها لإحداث اختراق حقيقي.
وهنا تكمن إحدى أكبر نقاط الضعف اللبنانية: بيروت تريد تثبيت وقف النار وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، فيما أن إسرائيل تريد قبل أي انسحاب خطوات لبنانية ملموسة في ملف سلاح "حزب الله". أما الحزب فيرفض، بصورة أو بأخرى، تسليم أوراق قوته قبل أن تتأكد جدية الانسحاب الإسرائيلي. وهكذا تدور المعادلة في حلقة مفرغة.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بالخلاف اللبناني–الإسرائيلي. فهناك عامل إيراني حاضر بقوة في الخلفية. إذ إن مسألة من يملك القرار النهائي في شأن سلاح "حزب الله" لم تعد مجرد نقاش لبناني داخلي، بل أصبحت مرتبطة بالصراع الأوسع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. وهذا ما يجعل مهمة الحكومة اللبنانية أكثر صعوبة، فهي مطالبة بإثبات أن قرار الحرب والسلم والسلاح أصبح شأناً لبنانياً سيادياً، من دون أن يؤدي ذلك إلى مواجهة داخلية مع "حزب الله".
في المقابل، لا تبدو إسرائيل مستعجلة لتقديم تنازلات كبيرة قبل الانتخابات. فالمعادلة الداخلية الإسرائيلية تجعل الجنوب اللبناني ورقة أمنية وسياسية في آن واحد. وقد يكون من الأسهل على الحكومة الإسرائيلية مواصلة الضغط العسكري بدل تقديم تنازل يمكن أن يستخدمه خصومها في الحملة الانتخابية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فكلما تأخرت الديبلوماسية، اتسع هامش الميدان. استمرار الضربات الإسرائيلية، والاحتفاظ بمواقع استراتيجية في الجنوب، وعمليات التوغل والهدم، كلها تعني أن الوقائع على الأرض يمكن أن تصبح أقوى من الطاولة السياسية. وعندها قد تتحول أي حادثة أمنية، خصوصاً في المناطق الحساسة مثل علي الطاهر، إلى شرارة تعيد فتح المواجهة على نطاق أوسع.
لكن هناك عاملًا آخر قد يعمل لمصلحة لبنان: المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع الدولة اللبنانية والجيش بصورة مختلفة عن السابق. فالدعم الأوروبي للجيش يتزايد، وهناك نقاش متقدم حول آلية أوروبية لمساعدة القوات المسلحة اللبنانية بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". وهذا التطور مهم لأنه يعني أن المجتمع الدولي لا يريد ترك فراغ أمني في الجنوب بعد نهاية مهمة القوة الدولية. فهل إن مؤتمر دعم القوات المسلحة اللبنانية الذي سيعقد في منتصف الشهر الجاري سيعزز موقع الجيش؟
إذا نجحت بيروت في استثمار هذا الدعم، فقد يتحول الجيش تدريجاً إلى الركيزة الأساسية لأي تسوية مقبلة. غير أن ذلك يتطلب أكثر من مساعدات عسكرية. المطلوب هو قرار سياسي لبناني واضح يسمح للدولة باستعادة احتكارها للسلاح، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي حقيقي وضمانات دولية تمنع العودة إلى الحرب.
ومن هنا، فإن الأشهر المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الدولة اللبنانية على إدارة التناقضات وليس حلها دفعة واحدة. فالواقعية السياسية تفرض الاعتراف بأن نزع سلاح "حزب الله" لن يتم بقرار واحد، وأن الانسحاب الإسرائيلي الكامل لن يحصل بمجرد المطالبة به. لذلك قد يكون الحل الواقعي هو تسوية تدريجية ومتبادلة: انسحاب إسرائيلي على مراحل، انتشار أكبر للجيش، تفكيك تدريجي للبنية العسكرية غير الشرعية، وضمانات أميركية وأوروبية وعربية للبنان وإسرائيل في آن واحد.
أما السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، فيبقى استمرار "اللا حرب واللا تسوية". قد تعقد جولة جديدة من المفاوضات، وقد تنتج تفاهمات محدودة، لكن من الصعب توقع اتفاق نهائي قبل اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتوجهات الإدارة الأميركية بعدها.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية في الأشهر المقبلة لن تكون حول الحدود الجنوبية فحسب، بل حول من يملك القرار اللبناني. فإذا تمكنت الدولة من تحويل الدعم الدولي إلى قوة سياسية، وربطت الانسحاب الإسرائيلي بانتشار الجيش وبمسار تدريجي لحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، فقد تشكل الأزمة الحالية فرصة لإعادة بناء الدولة.
لبنان أمام مفترق طرق واضح: إما أن تتحول المراوحة إلى تسوية تدريجية، وإما أن يتحول الانتظار نفسه إلى مصدر خطر. والفارق بين الخيارين قد تحدده، أكثر من أي وقت مضى، قدرة واشنطن على الضغط، واستعداد إسرائيل للانسحاب، وقرار "حزب الله" بشأن سلاحه، وقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك باللحظة قبل أن تسبقها الأحداث.
سمير تويني- النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|