الصحافة

الطريق من الدويلة إلى الدولة: أربعون عاماً من المبايعة..

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ليس حزب الله مجرد تنظيم مسلح يمكن اختزال معضلته اللبنانية في بند واحد اسمه «السلاح». فبعد أربعة عقود من نشوء الحزب وتوسع نفوذه، أصبحت المشكلة أكبر بكثير. الحزب الذي بدأ كتنظيم مقاوم للاحتلال الإسرائيلي، تحول تدريجيًا إلى منظومة سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية متكاملة، لها مؤسساتها وشبكاتها ورموزها وذاكرتها الخاصة.

وفي ظل دولة ضعيفة، واحتلال سوري طويل، ثم نفوذ إيراني متعاظم، نشأ واقع لبناني بات من الصعب وصفه إلا بأنه دولة إلى جانب دويلة.

أربعة عقود لا تُمحى بقرار
لذلك، فإن اختزال المرحلة المقبلة بالسؤال: «متى يسلم حزب الله سلاحه؟» قد يكون ضروريًا من الناحية السيادية، لكنه لا يجيب عن السؤال الأكثر تعقيدًا: ماذا بعد السلاح؟

فالحزب لم يبنِ قوته العسكرية وحدها، بل أقام بالتوازي معها منظومة اجتماعية متكاملة: مدارس، مؤسسات، خدمات، شبكات اجتماعية، رموز، مناسبات، وخطاب سياسي وديني، إضافة إلى ذاكرة جماعية تقوم على المقاومة والشهادة والتضحية.

وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الانتماء السياسي مجرد خيار انتخابي يمكن تغييره من دورة إلى أخرى. هناك أجيال ولدت ونشأت وهي ترى الحزب جزءًا من حياتها اليومية، وعائلات دفعت أثمانًا بشرية مباشرة في حروبه ومواجهاته، وتحولت تضحيات أفرادها إلى جزء من الذاكرة العائلية.

فهل يمكن أن يُطلب من ابن مقاتل قُتل تحت راية الحزب أن ينظر إلى تلك التضحية بعد سنوات باعتبارها مجرد خيار سياسي خاطئ؟ الأمر ليس بهذه البساطة. عندما يصبح القتيل «شهيدًا»، وتتحول قصته إلى رواية عائلية، فإن مراجعة الانتماء السياسي قد تتحول، بالنسبة إلى البعض، إلى مراجعة لمعنى التضحية نفسها. السلاح يمكن نزعه، أما الذاكرة فلا تُنزع بسهولة.

المشكلة ليست في الطائفة بل في غياب الدولة
من الضروري التمييز بين الطائفة الشيعية كجزء أصيل من النسيج اللبناني، وبين حزب الله كتنظيم سياسي وعسكري استطاع، على مدى عقود، أن يفرض نفسه بوصفه الممثل الأقوى داخل البيئة الشيعية.

فالمشكلة ليست في «شيعية» اللبنانيين، ولا في حقوقهم أو هواجسهم، بل في أن الدولة اللبنانية، بسبب ضعفها التاريخي، سمحت بنشوء علاقة غير متوازنة بين جزء من مواطنيها ومنظومة حزبية أصبحت في مراحل كثيرة أكثر حضورًا من مؤسسات الدولة.

لقد ترك غياب الدولة فراغًا، والفراغ لا يبقى فارغًا.

حين لا توفر الدولة الأمن، يأتي من يوفره. وحين تغيب الحماية والخدمات والمؤسسات، تنشأ شبكات بديلة. وهكذا لم يصنع حزب الله حاضنته الاجتماعية من فراغ، لكنه نجح في استثمار ضعف الدولة وتحويله إلى مصدر قوة.

من الدويلة إلى الدولة
إذا كان المطلوب اليوم أن تعود الدولة، فلا يكفي أن تقول للناس: تخلوا عن الحزب. بل يجب أن يكون السؤال: ماذا ستقدم الدولة لهم بدلًا منه؟

فالانتقال من واقع «الدولة والدويلة» إلى دولة واحدة ذات سيادة كاملة لن يكون مجرد عملية أمنية، بل سيكون عملية سياسية واجتماعية ونفسية طويلة.

الدولة التي تريد استعادة احتكارها للسلاح والقرار مطالبة، في الوقت نفسه، باستعادة ثقة المواطنين الذين عاشوا عقودًا خارج مظلتها الكاملة.

وعليها ألا تدخل المناطق التي غابت عنها طويلًا فقط، بل أن تدخل أيضًا إلى الوعي الاجتماعي. يجب أن يشعر المواطن بأن الدولة ليست قوة تأتي لنزع سلاحه فحسب، بل مؤسسة تحميه عندما يخاف، وتؤمن له العدالة عندما يُظلم، وتوفر له الخدمات عندما يحتاج، وتساوي بينه وبين غيره في الحقوق والواجبات.

وإلا فإن نزع السلاح قد ينهي «الدويلة» عسكريًا، لكنه لن ينهي الظروف الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها.

الحاضنة لم تتفكك بعد
قد تكون هناك اليوم أصوات شيعية تنتقد حزب الله أو تراجع خياراته وسياساته، وهذه الأصوات مهمة. لكن الخطأ هو اعتبار وجودها دليلًا على أن الحاضنة الاجتماعية للحزب قد تفككت.

فالتحول لا يبدأ عندما يظهر المعترضون، بل عندما يتحول الاعتراض إلى بديل.

عندما يصبح هناك خطاب قادر على مخاطبة البيئة نفسها، ويقول لأفرادها إن بإمكانهم أن يكونوا شيعة لبنانيين، يحافظون على ذاكرتهم وكرامتهم وهويتهم، من دون أن يكون السلاح خارج الدولة هو الضمانة الوحيدة لأمنهم.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.

إيران جزء من المعادلة
لا يمكن فصل هذه المعضلة عن العلاقة التاريخية بين حزب الله وإيران. فعلى مدى سنوات طويلة، ارتبط الحزب سياسيًا وعقائديًا واستراتيجيًا بالمشروع الإيراني، وكان الدعم الإيراني عنصرًا أساسيًا في بناء منظومته والحفاظ عليها.

وبالنسبة إلى جزء من جمهوره، لم تعد إيران مجرد دولة داعمة، بل أصبحت في الوعي السياسي الذي أنتجته سنوات التعبئة حليفًا استراتيجيًا ومرجعية في مواجهة ما يُنظر إليه بوصفه تهديدًا دائمًا.

لذلك فإن تفكيك هذه البنية لا يتعلق فقط بإخراج السلاح من المعادلة اللبنانية، بل بإعادة تعريف مفهوم الأمن والانتماء والمصلحة داخل البيئة التي نشأت حول الحزب.

الإعمار أسهل من إعادة بناء الإنسان السياسي
قد تنجح الدولة في إعادة بناء المنازل والطرقات والجسور، لكن إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة مسألة مختلفة تمامًا.

الحجر يُعاد بناؤه بالمال، أما الثقة فتُبنى بالزمن.

لا يمكن لمرسوم حكومي أن يمحو أربعين عامًا من الخطاب، ولا لقرار سياسي أن يلغي ذاكرة الشهداء، ولا لعملية أمنية أن تنتج بين ليلة وضحاها انتماءً وطنيًا جديدًا.

هذه عملية تحتاج إلى جيل جديد، وتحتاج قبل ذلك إلى دولة حقيقية؛ دولة لا تطلب من مواطنيها التخلي عن مظلة الحزب ثم تتركهم تحت المطر.

الطريق الطويل إلى الدولة
لهذا فإن معركة لبنان المقبلة لن تكون فقط معركة استعادة السلاح، بل معركة استعادة فكرة الدولة.

استعادة السيادة لا تعني فقط السيطرة على الحدود والسلاح، بل استعادة المواطن نفسه: ثقته، وشعوره بالأمان، وحقه في أن يكون لبنانيًا أولًا، من دون أن يشعر بأن الدولة تتناقض مع هويته أو تهدد ذاكرته أو تطلب منه التخلي عن كرامته.

بعد أربعين عامًا من المبايعة، لا يمكن انتظار أن تنتهي العلاقة بين الحزب وبيئته بقرار سياسي. قد ينتهي السلاح في يوم، لكن الانتماء لا ينتهي في يوم. وقد تُهدم الدويلة بقرار، لكن بناء الدولة يحتاج إلى سنوات.

وفي النهاية، لن تنتصر الدولة اللبنانية يوم تسحب السلاح من يد حزب الله فقط، بل يوم يصبح المواطن، داخل هذه البيئة وخارجها، مقتنعًا بأن الدولة هي الحماية، والدولة هي الضمانة، والدولة هي الانتماء الذي لا يحتاج إلى دويلة تحميه.

هناك فقط يبدأ الطريق الحقيقي من الدويلة إلى الدولة.

علي الحلال  - جنوبية

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا