ورقة هرمز تفقد قوتها.. كيف جردت واشنطن إيران من سلاحها النفطي؟
لم تعد السيطرة على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ورقة ضغط إيرانية بالفاعلية ذاتها التي بدت عليها في بداية الحرب.
فبينما أدى تعطّل الملاحة إلى قفزة حادة في أسعار النفط واضطراب الإمدادات، تشير تطورات أغسطس إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها نجحوا، جزئياً على الأقل، في بناء مسار بحري بديل ومحمي يحدّ من قدرة طهران على خنق تدفقات النفط، بحسب "سي إن بي سي".
قبل الحرب، كان المضيق يعبره نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمس تجارة الطاقة العالمية. هذه الأرقام جعلت هرمز تاريخياً نقطة اختناق استراتيجية: أي تهديد للملاحة فيه ينعكس فوراً على الأسواق، ويرفع تكلفة التأمين والشحن، ويضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا.
لكن الحرب التي بدأت في أواخر فبراير قلبت المعادلة سريعاً. فقد قفز سعر برنت نحو 120 دولاراً للبرميل في ذروة الأزمة، مع تجمّد جزء كبير من التدفقات النفطية القادمة من الخليج وارتفاع المخاوف من إغلاق طويل للمضيق.
في تلك المرحلة، بدا أن إيران تملك القدرة على تحويل الموقع الجغرافي إلى سلاح اقتصادي عالمي، عبر الألغام والتهديدات البحرية والمخاطر المتصاعدة للسفن التجارية.
ممر جنوبي تحت الحماية
التحول الأبرز جاء مع اعتماد ممر جنوبي عميق بمحاذاة الساحل العُماني، تؤمّنه القوات الأميركية وتنسق عبور السفن من خلاله، بما يقلل اعتماد الناقلات على المسارات القريبة من المياه الإيرانية.
ووفق مسؤولين أمريكيين، باتت العملية تنظم عبور نحو 20 ناقلة ليلاً، بين ناقلات خارجة محمّلة بالنفط وأخرى داخلة إلى الخليج لجلب شحنات جديدة.
وفي ليلة 21 أغسطس، أفادت مصادر أمريكية بأن نحو 40 ناقلة تحركت ذهاباً وإياباً عبر هذا المسار، حاملة قرابة 16 مليون برميل.
وإذا صحّت هذه الأرقام، فإنها تمثل مؤشراً قوياً على أن التدفقات يمكن أن ترتفع بسرعة عندما تتوافر الحماية العسكرية والتنظيم الملاحي، رغم استمرار الحرب والمخاطر الأمنية.
كما قالت القيادة المركزية الأمريكية إن القوات ساعدت، منذ أوائل مايو وحتى 21 أغسطس، نحو 1,300 سفينة تجارية على عبور المضيق، بما أتاح نقل أكثر من 660 مليون برميل من الخام.
وتشير مقارنة الأرقام الأمريكية إلى مرور ما يزيد على 160 مليون برميل خلال الأسابيع الثلاثة السابقة لذلك التاريخ، أو ما يعادل أكثر من 7 ملايين برميل يومياً.
النفط يستعيد جزءاً من تدفقه
البيانات المتاحة ترسم صورة متباينة، لكنها تؤكد اتجاهاً واحداً: التدفقات لم تعد متوقفة بالكامل. فبعض التقديرات أشارت إلى أن الشحنات عبر هرمز هبطت في يوليو إلى نحو 4.8 مليون برميل يومياً، ثم تراجعت إلى قرابة مليوني برميل يومياً في بداية أغسطس، وفق بيانات تتبع تجاري نقلتها رويترز.
في المقابل، تتحدث المصادر الأمريكية عن تدفقات تصل إلى 9 أو 10 ملايين برميل يومياً عبر المسار المحمي، أي نحو نصف مستوى ما قبل الحرب، بينما سجلت بعض الليالي شحنات أكبر. هذه الفجوة لا تعني بالضرورة أن أحد الرقمين خاطئ كلياً؛ إذ إن جزءاً من الحركة يجري مع إطفاء أو تعطيل أجهزة التعريف الآلي للسفن؛ ما يجعل التتبع التجاري أقل اكتمالاً.
لكن ذلك يفرض أيضاً الحذر في التعامل مع الأرقام الرسمية، خصوصاً أن جهات تتبع ملاحي أشارت إلى حركة ظاهرة أقل بكثير من الادعاءات الأميركية.
الاختبار الحقيقي لفعالية الممر الجديد يظهر في الأسعار. فقد تراجع النفط من ذروته قرب 120 دولاراً في مرحلة الحرب الأولى إلى نحو 89 دولاراً للبرميل في أغسطس.
ورغم أن هذا المستوى يظل أعلى بنحو 23% من مستوى ما قبل الحرب، فإنه يعكس انحسار سيناريو النقص الحاد، بعدما تأكدت الأسواق أن جزءاً مهماً من نفط الخليج لا يزال قادراً على الوصول إلى المشترين.
ولا يتعلق الأمر بعدد الناقلات فقط، بل بقدرة القوات الأميركية على تقليص أدوات التعطيل. فقد أُزيل أكثر من 200 جسم يُشتبه في أنها ألغام من الممر الملاحي الرئيس، لكن 11 منها فقط كانت ألغاماً حقيقية، وفق مسؤولين أمريكيين.
وهذا يعني أن جانباً من التهديد كان نفسياً وعملياتياً: إبطاء الملاحة، رفع كلفة التأمين، وإجبار السفن على تغيير سلوكها حتى عندما لا تكون كل الأجسام المكتشفة متفجرات فعلية.
ورقة ضغط لا ورقة حسم
لا يعني ذلك أن إيران فقدت قدرتها على التأثير في هرمز. فالمضيق ما زال منطقة نزاع، وحركة السفن لا تزال دون المستويات الطبيعية، كما أن استمرار الحماية البحرية الأمريكية يفرض كلفة عسكرية وسياسية ومالية كبيرة على واشنطن وشركائها.
كذلك، فإن أي هجوم ناجح على ناقلة كبيرة أو زرع ألغام بصورة أكثر فاعلية يمكن أن يعيد علاوة الخطر إلى الأسواق فوراً.
لكن المؤشرات الحالية توحي بأن «ورقة هرمز» تحولت من أداة يمكن أن توقف تدفقات الطاقة إلى أداة تعطيل مكلفة ومحدودة الفعالية.
فكلما اتسع الممر الجنوبي المحمي، وزادت قدرة الناقلات على العبور في قوافل ليلية، انخفضت قدرة إيران على ترجمة موقعها الجغرافي إلى صدمة نفطية عالمية مستدامة.
وفي هذه المعادلة، لا تحسم السيطرة بالنصوص والتهديدات، بل بمن يضمن مرور البراميل فعلياً إلى الأسواق.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|