قرى في جنوب لبنان وصلت نسب دمارها إلى 100٪... هل يمكن إعادة رسم الجغرافيا فيها؟
الدروز: وحدة الانتماء وتعدّد الأوطان
كتب النائب مارك ضو في القناة الثالثة والعشرون
تجمع الدروز في المشرق روابط دينية واجتماعية وتاريخية عميقة، لكن هذه الروابط لا تجعلهم شعبًا منفصلًا عن مجتمعاتهم، ولا تختصر انتماءهم السياسي في دولة واحدة. فالدروز في الأردن سائرون في الحياة الوطنية الأردنية، وفي سوريا جزء أصيل من تاريخها ومستقبلها، وفي لبنان شركاء في تكوينه السياسي والثقافي، وفي إسرائيل مواطنون يناضلون، مثل سواهم، من أجل المساواة والحقوق، فيما يشارك المنتشرون في بناء المجتمعات التي اختاروها أو وُلدوا فيها.
من هنا، لا يصح تحويل وحدة الجماعة الروحية إلى مشروع سياسي عابر للحدود، أو اعتبار الدروز في البلدان المختلفة امتدادًا لدولة بعينها. التضامن بين أبناء الطائفة مشروع وضروري، ولا سيما عند وقوع اضطهاد أو عنف، لكنه لا يلغي تعدّد انتماءاتهم الوطنية ولا يمنح أي دولة او اي مرجعية دينية او سياسية حق التحدث باسمهم جميعًا. القرابة الدينية مصدر تآزر وحماية متبادلة، وليست بديلًا من المواطنة.
المشروع الذي يستحق الدفاع عنه ليس إقامة كيان مغلق على الخوف، بل قيام دول تتيح للدروز، ولسائر مكوّناتها الاثنية والدينية، فرصًا متساوية لأداء أدوار سياسية واقتصادية وثقافية، من دون تمييز أو اضطهاد أو عنف. ولا تُقاس سلامة الدولة بعدد أبناء الطوائف الذين يصلون إلى المناصب فحسب، بل بقدرة مؤسساتها على حماية الفرد، ومساواته أمام القانون، وضمان مشاركته في إدارة الشأن العام.
العلمانية، بهذا المعنى، ليست موقفًا معاديًا للدين، وإنما صيغة تحمي تعدّد المجتمع وتمنع احتكار الدولة من جانب عقيدة أو جماعة. وهي المقاربة الأقدر على بناء مواطنة متساوية في بلدان شديدة التنوع. أما حيث يتعذر قيام نظام علماني، أو تحتفظ الدولة فيه بهوية دينية واضحة، فتصبح اللامركزية الموسعة، وربما بعض الصيغ الفدرالية الملائمة، ضمانة ضرورية للتمثيل السياسي الوازن، ولإدارة الموارد محليًا، وتأمين مقومات الحياة الكريمة، ومنع تحوّل الأكثرية العددية إلى هيمنة دائمة.
لكن ثمة حقًا لا يجوز تعليقه على شكل النظام، ولا إخضاعه لأي مساومة سياسية: حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية. فهذا حق أصيل يجب أن يكون مصونًا من دون قيد أو شرط، سواء أكانت الدولة علمانية أم دينية، مركزية أم لامركزية.
الخوف الذي عاشه الدروز في أكثر من مكان حقيقي، والحاجة إلى الحماية لا يمكن إنكارها. غير أن الحماية المستدامة لا تأتي من إلحاق جماعة كاملة بدولة أخرى، ولا من الارتهان إلى موازين قوى متقلبة، بل من عقد سياسي يضمن الحقوق، ومن مؤسسات خاضعة للقانون، ومن شراكة وطنية لا تطلب من الإنسان أن يختار بين كرامته ووطنه، او حقه بممارسة معتقداته ومواطنيته. وحدة الدروز تكمن في تضامنهم وقيمهم المشتركة؛ أما مستقبلهم السياسي فيُبنى، بكل حرية ومساواة، داخل الأوطان التي هم جزء منها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|