الصحافة

تركيا تواجه الهيمنة الاسرائيلية وتريد تغيير موقع حزب الله من العسكري إلى السياسي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يعد الحضور التركي في المنطقة يقتصر على سوريا، فالتغيرات التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد فتحت أمام أنقرة مجالًا أوسع للتمدد سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا باتجاه لبنان. ويأتي هذا التمدد في ظل تحولات أعادت رسم موازين القوى في المنطقة، وجعلت من سوريا ولبنان والعراق وشرق المتوسط ساحات متداخلة للمصالح التركية والسعودية والإسرائيلية والأميركية.

وفي هذا المشهد، تنظر إسرائيل بقلق إلى تنامي الدور التركي، ولا سيما في سوريا، حيث تتقاطع مصالح الطرفين وتتباين رؤيتهما لشكل النظام الإقليمي الجديد

ففي آب 2026، قصفت إسرائيل قاعدة جوية سورية بعدما قالت إن الموقع كان مرتبطًا باستعدادات لنشر قوات تركية، فيما نفت أنقرة ودمشق وجود خطة من هذا النوع، ودخلت واشنطن على خط الأزمة في محاولة لمنع تصاعد التوتر بين الطرفين.

أمام ما يحدث من تطورات محليّة واقليمية متسارعة، أين يقف لبنان في الأجندة التركية؟ وأين تقف حدود التنافس التركي-الإسرائيلي، وكيف يمكن أن ينعكس هذا التنافس على لبنان وحزب الله ومستقبل التوازنات في المنطقة؟

تصاعد الدور التركي

ترى الأكاديمية المتخصصة بالشأن التركي والإقليمي “الدكتورة هدى رزق” أن الدور التركي في المنطقة شهد تصاعدًا واضحًا بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وهو مسار ساهمت أنقرة في دفعه منذ دعمها للثوار خلال الربيع العربي واحتضانهم على الحدود التركية-السورية، وصولًا إلى دعم الرئيس السوري أحمد الشرع.

وتوضح أن هذا التحول انعكس على لبنان أيضًا، إذ تسعى تركيا إلى توسيع نفوذها وحماية مصالحها الاستراتيجية، خصوصًا في ملفات الطاقة وشرق المتوسط، بالتوازي مع تعزيز الشراكة الاقتصادية مع بيروت.

لكن المصالح التركية، وفق رزق، لا تقتصر على الاقتصاد والطاقة، بل تشمل ضمان استقرار لبنان، بحيث لا تتحول أراضيه إلى مصدر تهديد للأمن التركي أو للمصالح التركية في سوريا ولبنان. ومن هنا تأتي أهمية العلاقات الجيدة بين بيروت ودمشق بالنسبة إلى أنقرة، باعتبارها عاملًا يساعد في حماية مصالحها الجيوسياسية.

مشاركة دولية ونفوذ في شرق المتوسط

تشير رزق إلى أن تركيا تطمح كذلك إلى المشاركة في القوات الدولية على الحدود اللبنانية، وترى أن وجودها يحمل أهمية سياسية، سواء على المستوى الداخلي اللبناني أو لناحية تعزيز نفوذها في شرق المتوسط.

وتلفت إلى أن أنقرة اتخذت موقفًا واضحًا من الاتفاقية التي وقعها لبنان مع قبرص، إذ اعترضت عليها، وكانت تفضّل تراجع الحكومة اللبنانية عنها، بما يعكس ارتباط الملف اللبناني بحسابات تركيا الأوسع في شرق المتوسط.

أما على المستوى الشعبي، فتتمتع تركيا، بحسب رزق، بشعبية مهمة داخل البيئة السنية اللبنانية، ولا سيما في الشمال الذي يمثل خزانًا سنيًا أساسيًا. وقد ترسخت هذه الشعبية منذ الربيع العربي، فيما عملت أنقرة منذ عام 2007 على تعزيز علاقاتها مع هذه البيئة عبر مؤسسة «تيكا» التركية.

وتضيف أن هناك أيضًا جالية من أصول تركية جرى العمل على إعادة تأهيل ارتباطها باللغة والهوية التركية، وهي المعروفة باسم «الكواشرة».

تركيا والسعودية: تحالف يرسم حدود الدور

تؤكد رزق أن فهم الدور التركي في لبنان لا يمكن فصله عن العلاقة مع السعودية والولايات المتحدة. فالدور التركي يتقاطع بدرجة كبيرة مع الإرادة السعودية، ما يطرح مسألة العلاقة بين القرار السعودي والتوجه الأميركي في المنطقة.

وترى أن أنقرة تدرك أهمية البوابة السورية في تعزيز نفوذها السياسي، كما أن علاقاتها مع الرياض دخلت مرحلة استراتيجية جديدة، خصوصًا بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك الثلاثية التي تضم تركيا والسعودية وباكستان.

وهذا التحول، وفق رزق، يعكس تنسيقًا متزايدًا بين الدول الثلاث في ملفات المنطقة، ويمنح تركيا هامشًا أوسع للتحرك، من دون أن يعني ذلك خروجها من المظلة الأميركية أو الغربية.

إسرائيل في مواجهة الصعود التركي

تعتبر رزق أن التقارب التركي-السعودي لا يلقى ارتياحًا إسرائيليًا، خصوصًا في ظل التوتر المتصاعد بين أنقرة وتل أبيب. وقد ظهر ذلك بوضوح مع القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور في ريف إدلب، والذي كاد أن يشعل أزمة بين الطرفين، قبل أن تؤكد إسرائيل تفضيلها معالجة الخلافات مع تركيا بالوسائل الدبلوماسية.

ومع ذلك، لا ترى رزق أن الصراع التركي-الإسرائيلي مفتوح بلا حدود. فالتوتر يبقى مضبوطًا ضمن سقف معين، في ظل وجود تفويض تركي من السعودية والولايات المتحدة للعب دور في تقويض النفوذ الإيراني إقليميًا، ومنع قيام هيمنة إسرائيلية كاملة على لبنان.

وتعتبر أن هذا هو جوهر الدور التركي الذي تلتقي حوله أنقرة والرياض وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب: تقليص النفوذ الإيراني، وتعزيز دور الدولة اللبنانية، مع بقاء الخلاف حول حجم الدور التركي وحدوده.

لماذا تخشى إسرائيل الدور التركي في سوريا؟

بحسب رزق، ترى إسرائيل أن تركيا توسع نفوذها بصورة كبيرة، وأن هذا النفوذ بدأ يمتد من سوريا إلى لبنان. ويعود جزء أساسي من القلق الإسرائيلي إلى التعاون المتنامي بين دمشق وأنقرة.

وتعتقد تل أبيب، وفق هذا التقدير، أن تركيا قد تسعى إلى دعم سوريا بقدرات جوية ودفاعية، بما يمكن أن يحد من حرية الحركة الإسرائيلية في الأجواء السورية، وهو أمر ترفضه إسرائيل.

في المقابل، تشير رزق إلى أن تركيا نقلت إلى الولايات المتحدة اعتراضها على السلوك الإسرائيلي، معتبرة أن إسرائيل تستمر في قصف لبنان وسوريا وتوسيع عملياتها العسكرية، وتتصرف في ساحات المنطقة من دون قيود. ولذلك طالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ترامب بالتدخل، مستفيدًا من العلاقة الوثيقة بين الرئيسين.

ترامب بين أنقرة وتل أبيب

ترجح رزق وجود تفاهم أميركي، ولو كان ضمنيًا، لضبط حدود النفوذ التركي والإسرائيلي في سوريا. وقد يأخذ هذا التفاهم شكل تقاسم للنفوذ أو ضمان مصالح الطرفين بحيث لا يتحول نفوذ أحدهما إلى تهديد مباشر للآخر.

وتؤكد أن إدارة ترامب تحاول رسم حدود النفوذين التركي والإسرائيلي في سوريا والحفاظ على مستوى من التوازن والتهدئة، مع دعم المساعي التركية المتعلقة بأمن سوريا وتعافيها وبناء الدولة فيها.

ومن هنا، تصف المشهد بأنه صراع تركي-إسرائيلي تقف واشنطن بين طرفيه، الأمر الذي يفسر تمسك تركيا بعلاقاتها مع الولايات المتحدة وبحلف شمال الأطلسي.

أما في لبنان، فتعتبر أن إدارة ترامب لا تبدو راغبة في أن يتحول الدور التركي إلى تدخل سياسي أو عسكري مباشر، رغم تفهمها للمصالح التركية مع الحكومة اللبنانية، خصوصًا أن الحضور التركي يساهم في الحد من النفوذ الإيراني. وبالتالي، تؤدي واشنطن دور «البوصلة» التي تضبط إيقاع العلاقة بين أنقرة وتل أبيب.

حزب الله: لا دعم تركيًا ولا انتصار إسرائيلي ساحق

تلفت رزق إلى أن الموقف التركي من الحرب اللبنانية يعكس خشية أنقرة من اتساع النفوذ الإسرائيلي. وتستشهد بتصريح أردوغان في أكتوبر 2024، بعد تفجيرات أجهزة البيجر واغتيال السيد حسن نصرالله وتوقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية، حين حذر من أن استمرار الوضع قد يؤدي إلى وصول النفوذ الإسرائيلي إلى الأناضول.

لكن هذا الموقف، بحسب رزق، لا يعني أن تركيا تقف إلى جانب حزب الله. فأنقرة لا تريد دعم الحزب بوصفه امتدادًا للنفوذ الإيراني، لكنها في الوقت نفسه لا تريد استبدال النفوذ الإيراني بهيمنة إسرائيلية كاملة.

وترى أن تركيا لم تكن تتوقع أن تكون خسارة حزب الله بهذه السرعة، وهو ما زاد قلقها من التفوق العسكري الإسرائيلي، خصوصًا بعد حرب السابع من أكتوبر 2023.

من حزب الله العسكري إلى حزب الله السياسي

تعتبر رزق أن الوجود التركي في سوريا أغلق إلى حد كبير البوابة السورية أمام النفوذ الإيراني، وبالتالي أمام حزب الله، وهو ما يحمل تداعيات أمنية وعسكرية مباشرة.

لكن أنقرة، في المقابل، لا تريد انتصارًا إسرائيليًا ساحقًا يؤدي إلى الهيمنة على لبنان. ولهذا فإن موقفها يقوم على توازن دقيق: لا تريد سحق حزب الله، لكنها تريد خسارته عسكريًا والسياسيًا، بمعنى أن يصمد أمام إسرائيل إلى حين الوصول إلى تسوية.

وتوضح أن السيناريو الذي تفضله تركيا يتمثل في انتقال حزب الله من موقعه العسكري إلى موقع سياسي، مع الحفاظ على المكاسب الطائفية وموقع الطائفة الشيعية داخل النظام اللبناني. فهزيمة الحزب بصورة كاملة واحتلال إسرائيل للجنوب سيكونان، بالنسبة إلى أنقرة، مكسبًا استراتيجيًا لإسرائيل.

وبالتالي، لا يتعلق الأمر بدعم حزب الله بديلًا عن إيران، بل بإعادة تحديد موقعه. تركيا، وفق رزق، تشجع الحزب على التخلي عن سلاحه، والاندماج في الدولة اللبنانية، مع الحفاظ على موقعه السياسي ومكاسب الطائفة الشيعية، وبناء علاقات سليمة مع سوريا.

لبنان بين سوريا والعراق: هاجس انتقال الأزمة

وفي النهاية، تشدد رزق على أن تركيا لا تريد أن تتحول الأزمة اللبنانية إلى صراع يتجاوز الحدود. فالتمدد الطائفي خارج لبنان قد يدفع الأزمة إلى العراق، حيث تمتلك تركيا مصالح مهمة وعلاقات واسعة، بما فيها مع الطائفة الشيعية.

كما يمكن أن تمتد تداعيات الأزمة إلى سوريا، بما يهدد العلاقة بين دمشق وبغداد ويفتح الباب أمام توتر مذهبي شيعي-سني بين دولتين متجاورتين.

لذلك، فإن المصلحة التركية الأساسية تكمن في منع انتقال الأزمة من لبنان إلى محيطه، والحفاظ على استقرار يمتد من العراق إلى سوريا فلبنان. وفي هذا السياق، يبدو أن أنقرة تريد لبنانًا مستقرًا، وسوريا متماسكة، وحزب الله في لبنان قوة سياسية غير عسكرية داخل الدولة، من دون أن تسمح في الوقت نفسه بتحول إسرائيل إلى القوة المهيمنة على المشهد اللبناني.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا