"صولة الفجر" تعبر الحدود.. بغداد تلاحق مليارات الفساد "المهرّبة" في لبنان
فتحت حملة "صولة الفجر" التي أطلقتها الحكومة العراقية في يونيو/ حزيران الماضي لمكافحة الفساد باباً لم يعد مقتصراً على اعتقال مسؤولين ورجال أعمال أو استعادة أموال داخل العراق، بل امتد إلى واحدة من أعقد تركات الفساد، عبر مليارات الدولارات التي خرجت من البلاد وتحولت إلى حسابات وشركات وعقارات وأصول موزعة على دول عدة، بينها لبنان.
وكشف مصدر عراقي مطلع لـ"إرم نيوز" أن السلطات تتعامل بجدية مع ملف الأموال المهربة بالتوازي مع تحقيقات "صولة الفجر"، وأن لجنة حكومية تعمل على تحديد الدول التي يعتقد بوجود أموال عراقية فيها، تمهيداً لفتح قنوات قضائية ورسمية لاستعادتها.
وبحسب المصدر، فإن لبنان مرشح ليكون إحدى المحطات المقبلة للتحرك العراقي، وسط اهتمام بالحسابات والشركات والأصول التي قد تكون استُخدمت لنقل الأموال أو إعادة تدويرها.
ويعيد التحرك فتح سؤال ظل معلقاً لسنوات: أين ذهبت الأموال العراقية، وكم بقي منها قابلاً للاسترداد، وهل انتهى جزء منها في شبكات مالية مرتبطة بحزب الله؟
150 مليار دولار
في عام 2021، قدّر الرئيس العراقي السابق برهم صالح الأموال التي هُرّبت إلى الخارج عبر صفقات فساد منذ 2003 بنحو 150 مليار دولار، من أصل قرابة تريليون دولار من عائدات النفط خلال تلك الفترة.
لكن الرقم يمثل تقديراً تراكمياً وليس رصيداً موجوداً اليوم في حسابات خارجية؛ إذ تحولت الأموال خلال عقدين إلى عقارات وشركات واستثمارات، وانتقلت عبر وسطاء وأقارب وشركاء وبين دول عدة؛ ما يجعل إثبات مصدرها والوصول إلى المستفيد الحقيقي تحدياً كبيراً.
وفي يونيو/ حزيران الماضي، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية تجميد مبالغ كبيرة خارج العراق والتنسيق مع وزارة العدل لتحريك دعاوى لاستعادتها، لكنها أقرت بعدم وجود إطار قانوني شامل لعملية الاسترداد.
كما أطلق مجلس القضاء الأعلى وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في 27 يونيو/ حزيران، تقريراً حول استرداد الأصول، أوصى بالتجميد المبكر للأموال وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون القضائي عبر الحدود.
الخيط اللبناني
يمثل لبنان حالة مختلفة، فمرور الأموال العراقية عبر نظامه المصرفي موثق منذ ما قبل 2003. وتكشف وثائق لوزارة الخزانة الأمريكية أن التحقيقات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين حددت أصولاً وحسابات عراقية في أكثر من عشرين دولة، بينها لبنان، وأرسلت واشنطن معلومات عن أكثر من 570 حساباً مصرفياً عراقياً إلى 41 دولة لمراجعتها.
وكشفت التحقيقات أيضاً أن جزءاً من عائدات التجارة والنفط العراقي خلال سنوات العقوبات كان يحول إلى حسابات في الأردن ولبنان، بعضها بأسماء شركات واجهة أو أفراد.
ولا يعني ذلك بشكل موثق أن هذه الأموال بقيت في لبنان أو وصلت إلى حزب الله؛ فالوثائق تشير إلى عودة أجزاء منها إلى العراق. لكنها تثبت أن لبنان كان إحدى محطات حركة المال العراقي، وهو خيط قد تعيد بغداد فحصه.
من العراق إلى حزب الله
تظهر الصلة بحزب الله بصورة أوضح بعد 2003، عبر شبكات مختلفة وثقتها الخزانة الأمريكية. ففي 2015، فرضت واشنطن عقوبات على رجل الأعمال اللبناني أدهم طباجة وشركاته، وقالت إن فروع شركة "الإنماء للهندسة والمقاولات" في العراق حصلت على مشاريع نفط وإنشاءات وفرت دعماً مالياً لحزب الله، وإن الشبكة سعت إلى عقود داخل المنطقة الخضراء في بغداد بالتعاون مع مسؤول الحزب محمد كوثراني.
وفي 2016، قالت الخزانة إن محاسبَين ضمن شبكة طباجة نسقا تحويلات ونقل أموال نقدية بين العراق ولبنان، قبل أن تكشف في 2018 عن مديرين لشركة "الإنماء" في بغداد والبصرة ضمن الشبكة نفسها.
وظهرت قناة أخرى عبر القطاع المصرفي العراقي، إذ قالت الخزانة إن مسؤولين في البنك المركزي الإيراني وفيلق القدس استخدموا مصارف ووسطاء عراقيين لنقل ملايين الدولارات سراً إلى حزب الله وإخفاء الوجهة الحقيقية للتحويلات.
كما وثقت واشنطن شبكة مرتبطة بحزب الله وفيلق القدس، قالت إن أحد عناصرها سهّل تحويل مبالغ كبيرة من العراق إلى لبنان.
ويؤكد المصدر العراقي أن التحدي يكمن في الفصل بين أموال عامة عراقية سُرقت، وأموال إيرانية استخدمت العراق ممراً، وأرباح شركات وعقود عراقية استفادت منها شبكات مرتبطة بحزب الله.
15% فقط؟
ويقول المصدر إن بغداد تتجه إلى بناء ملفات منفصلة لكل حساب أو أصل مشتبه به بدلاً من المطالبة باستعادة رقم إجمالي ضخم، خاصةً أن مرور السنوات والأزمة المصرفية اللبنانية منذ 2019 جعلا عملية التعقب أكثر تعقيداً.
ويرى الباحث والخبير يونس الكريم، المتخصص في الشؤون الاقتصادية الإقليمية، أن استعادة الأموال المهربة أصعب بكثير مما توحي به الحملات المعلنة، مقدراً في حديث خاص لـ"إرم نيوز" أن ما يمكن استرداده فعلياً قد لا يتجاوز 10 إلى 15% من الأموال التي خرجت.
ويشرح الكريم أن جانباً كبيراً من الأموال خضع لما يسميه "التكليس المالي"، أي تحويل السيولة تدريجياً إلى عقارات وشركات وأصول وحسابات بأسماء مختلفة، انتقل بعضها من لبنان إلى أوروبا ومراكز الأوفشور، فيما خرجت أموال أخرى عبر فواتير استيراد وعقود تبدو قانونية ظاهرياً وتحويلات غير رسمية ونقدية.
ويضيف أن انهيار القطاع المصرفي اللبناني منذ 2019 زاد صعوبة التعقب، معتبراً أن استعادة أموال وصلت فعلياً إلى حزب الله تبدو "شبه مستحيلة"، خصوصاً أن الحزب يحتاج اليوم إلى التمويل ولن يعيد أموالاً طوعاً.
ويرى الكريم أن ملاحقة ملف بهذا الحجم تحتاج إلى هيئة وصندوق متخصصين باسترداد الأصول، وتعاون طويل الأمد مع الإنتربول والسلطات الأمريكية وأجهزة مكافحة غسل الأموال، إلى جانب حماية المبلغين ومنح مكافآت مقابل المعلومات الموثقة، معتبراً أن التعامل معه كحملة محدودة زمنياً يجعلها أقرب إلى التحرك السياسي منها إلى عملية استرداد شاملة.
وبذلك، قد تتحول "صولة الفجر" من حملة اعتقالات داخل العراق إلى مطاردة مالية عابرة للحدود، ويصبح لبنان أحد أكثر ملفاتها حساسية، ليس فقط لأن أموالاً عراقية مرت عبر مصارفه تاريخياً، بل لأن بعض مسارات المال بين بغداد وبيروت تداخلت، وفق وثائق أمريكية، مع شركات ووسطاء مرتبطين بحزب الله.
ويبقى السؤال الأصعب أمام المحققين: هل يستطيعون إثبات أن جزءاً من الأموال العراقية المنهوبة اندمج بعد سنوات من التدوير في شبكات الحزب، وتحول من مال عام مسروق إلى جزء من اقتصاد حزب الله وحلفاء إيران؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|