الصحافة

من جمال باشا إلى أردوغان... شبح "الباب العالي" يطرق أبواب بيروت من جديد؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تحاول تركيا أن تلعب دوراً متقدماً في لبنان، سياسياً وإنسانياً وأمنياً، وتقدم نفسها كشريك يريد دعم استقرار البلد وسيادته، لا كطرف يريد فرض وصاية عليه. لكن المفارقة أن هذا الدور، كلما اتسع، يوقظ لدى بعض اللبنانيين "نقزة" تاريخية يصعب تجاهلها: ذاكرة الحكم العثماني.

الحكم العثماني في لبنان استمر نحو أربعة قرون، من 1516 حتى 1918. وخلال هذه الفترة لم تكن العلاقة واحدة أو ثابتة؛ فقد تمتع جبل لبنان في مراحل طويلة بدرجات من الحكم المحلي، فيما كانت المدن الساحلية ومناطق أخرى مرتبطة بصورة مختلفة بالإدارة العثمانية. لذلك، فإن اختزال أربعة قرون في صورة واحدة سيكون تبسيطاً للتاريخ.

لكن الذاكرة اللبنانية تحتفظ خصوصاً بالمرحلة الأخيرة من العهد العثماني، بما رافقها من صراعات وتوترات، وبالأخص خلال الحرب العالمية الأولى، حين ارتبط اسم جمال باشا بالإعدامات والقمع، فيما أدت الحرب والحصار والمصادرة إلى مجاعة قاسية في جبل لبنان. هذه الأحداث تركت أثراً عميقاً في الذاكرة اللبنانية، وأصبحت جزءاً من الرواية التي انتقلت من جيل إلى آخر.

ولذلك، فإن "النقزة" من تركيا ليست وهماً بالكامل، لكنها أيضاً ليست بالضرورة حكماً على تركيا المعاصرة.

فالجمهورية التركية التي تأسست عام 1923 ليست السلطنة العثمانية، ولا توجد أدلة جدية على أن أنقرة تريد إعادة الإمبراطورية. لكن تركيا في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان أصبحت أكثر حضوراً في محيطها، وأكثر اهتماماً بالمناطق التي كانت جزءاً من المجال العثماني. ومن هنا ظهر تعبير "العثمانية الجديدة" لوصف بعض جوانب السياسة الخارجية التركية، وهو تعبير أثار جدلاً كبيراً في المنطقة وفي لبنان تحديداً.

واللافت أن هذه الحساسية ليست افتراضاً نظرياً. فدراسة صادرة عن مركز البيان للدراسات والتخطيط بعنوان "نفوذ تركيا المتصاعد في لبنان.. الخلفيات والعواقب" أشارت صراحة إلى نهج "الجديدة" الذي تتبعه أنقرة في لبنان، وطرحت سؤالاً محورياً داخل الساحة السياسية اللبنانية: هل تريد تركيا إقامة إدارة عثمانية جديدة في الشرق الأوسط؟ كما رصدت الدراسة ردود الفعل على تزايد النشاط التركي في لبنان.

لكن في المقابل، يقول مصدر ديبلوماسي: هناك تركيا أخرى يراها اللبناني اليوم: تركيا التي ساهمت رمزياً في قوات اليونيفيل، ودعمت لبنان بعد حرب 2006، وشاركت في الجهود التي أفضت إلى اتفاق الدوحة عام 2008، وقدمت مساعدات إنسانية وتنموية، وأكدت مراراً دعمها لوحدة لبنان وسيادته واستقراره.

وذكّر أن الرئيس جوزاف عون نفسه، خلال زيارته الرسمية الأولى إلى تركيا في 30 تموز 2026، تحدث عن "علاقات متجذرة" بين البلدين، وأشاد بالدور التركي، مؤكداً وجود إرادة قوية لتطوير التعاون بين بيروت وأنقرة.

إذًا، أين تكمن المشكلة؟

يجيب المصدر: ربما في أن لبنان لا يتعامل دائماً مع الدول الإقليمية من خلال حاضرها فقط، معتبرا ان التاريخ يدخل إلى السياسة، والذاكرة تدخل إلى الحسابات، وأحياناً تصبح صورة الدولة أهم من سياساتها الفعلية.

ويتابع: هنا تصبح المسألة أكثر حساسية اليوم، لأن تركيا لم تعد تتحرك في المنطقة بالقوة الناعمة فقط. فنفوذها في سوريا اتسع بشكل كبير، والتوتر بينها وبين إسرائيل تصاعد خلال الأيام الماضية بسبب الدور التركي المتنامي في سوريا. وهذا ما يجعل لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وحساسيته السياسية، جزءاً من مساحة النفوذ الإقليمي التي تتنافس عليها قوى عدة.

لذلك، قد يكون السؤال الحقيقي للبنان ليس: "هل تعود تركيا عثمانية؟" بل: "هل يستطيع لبنان أن يستفيد من الدور التركي من دون أن يتحول إلى ساحة نفوذ تركية، كما يحاول أن يفعل مع كل القوى الإقليمية؟"

ويشدد المصدر على ان الخطر ليس في أن تكون لتركيا علاقات تاريخية وثقافية مع لبنان، ولا في أن تقدم المساعدة أو تلعب دور الوساطة. الخطر يبدأ عندما تتحول المساعدة إلى نفوذ، والنفوذ إلى وصاية، والوصاية إلى قرار.

وفي المقابل، يرى المصدر انه من غير العادل أيضاً أن يُحاكم الدور التركي الحالي بالكامل على أساس ما فعله العثمانيون قبل أكثر من قرن.

ويختم: بين عثمانية الماضي وتركيا أردوغان، يحتاج لبنان إلى ذاكرة لا تنسى... ولكن أيضاً إلى واقعية لا تعيش في الماضي.

وهنا ربما تكمن المعادلة الأصعب: "أن يرحّب لبنان بالشريك التركي عندما يحتاج إليه، وأن يرفع في الوقت نفسه سقف الحذر عندما يزداد نفوذه."

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا