المنصوري أبعد نقطة ساحليّة ضمن "المنطقة الصفراء"... غارات وتفجيرات يومية
من يسدّد الخسائر أولاً: الدولة أو المركزي أو المصارف؟
سبع سنوات مرّت على الانهيار المالي والاقتصادي، جُمّدت الودائع، تآكلت قيمتها، انهارت الليرة، تعدّدت التعاميم وأسعار الصرف. وبقي السؤال الجوهري معلّقًا: أين ذهبت الأموال، من يتحمّل الخسائر، وكيف يستعيد المودعون حقوقهم، فولد ما يعرف بالفجوة المالية بقيمة قدّرت بـ73 مليار دولار. ومنذ ذلك الوقت يطرح السؤال التالي: هل ضاعت أموال المودعين ومن المسؤول عن اعادة جنى عمر الناس؟
لم تعد "الفجوة المالية" مجرد رقم ضخم في ميزانيات مصرف لبنان والمصارف، بل أصبحت العقدة التي يتوقف على حلّها مصير القطاع المصرفي والودائع والاقتصاد برمّته. وما مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي أعدته الحكومة نهاية العام الماضي وأحالته الى لجنة المال والموازنة وتتمّ دراسة بنوده حالياً في لجنة حكومية بسبب استحالة تطبيقه بالصيغة الحالية، سوى الحلّ الوحيد لتلك المعضلة التي تستلزم تكاتف المسؤولين عنها لتأمين الخسائر التي أحدثتها.
قانون الفجوة المالية كما يُعرف بالتداول يمسّ مباشرة حقوق المودعين، رساميل المصارف، التزامات الدولة، مسؤوليات مصرف لبنان، ويحدّد عمليًا شكل القطاع المالي الذي سيخرج من تحت ركام الانهيار. فهو سيحمّل المسؤولية كما بات معلوماً لثلاثة أفرقاء هم الدولة والمصارف ومصرف لبنان باعتبار أن توصيف الأزمة نظامي بامتياز باعتراف صندوق النقد والحكومة اللبنانية. كيف ستتوزّع تراتبية المسؤوليات وأولويات التسديد ؟
سؤال أجاب عنه وزير الاقتصاد والتجارة السابق ألان حكيم لـ"نداء الوطن" فاعتبر "أن الدولة ستكون، وفق الترتيب، المدين الأساسي الأول ضمن خطة طويلة الأجل، باعتبارها المسؤولة الأولى عن الانهيار. يليها مصرف لبنان والمصارف بحسب المسؤولية والقدرة على التسديد، وذلك تمهيدًا للوصول إلى حماية كاملة لصغار المودعين، ومعالجة عادلة وتدريجية لكبار المودعين".
وبرأي حكيم، إن "استرداد الودائع لا يمكن أن يكون إلا على مراحل، وضمن دفعات شهرية، وعلى مدى قصير لبعض المودعين الذين سيحصلون على 100 ألف دولار تُسدّد خلال 4 أو 5 سنوات، ودفعات طويلة الأجل للبعض الآخر من المودعين، أو الذين يتخطّى حسابهم الـ100 ألف دولار".
ولفت إلى أن أرقام الفجوة المالية متعدّدة وثابتة، وتعتمد على تقييم أصول مصرف لبنان والمصارف، وتتراوح بين 83 و85 مليار دولار، علمًا أن هناك أرقامًا حدّدتها بـ70 مليار دولار للخسائر الصافية. وهذا التفاوت قائم بين إجمالي الودائع التاريخية في النظام المصرفي والخسائر الفعلية في الفجوة الصافية التي تغطيها، والتي يمكن استعادتها من أصول مصرف لبنان والمصارف ومن مساهمات الدولة."
وبرأيه إن "فجوة الـ83 مليار دولار، التي يجب توزيعها ومعالجتها، ليست فاتورة نقدية مباشرة على الخزينة. ومفهومها بات أوضحاً من خلال التوجّه الحكومي والبرلماني، إلا أنه لم يتحوّل إلى اتفاق نهائي على توزيع الخسائر، وهي النقطة الأهم. علمًا أن الحكومة، منذ خطتها الأولى التي وضعتها، كانت متوافقة على حماية صغار المودعين وإعطاء الأولوية لرأسمال المصارف قبل تحميل المودعين خسائر إضافية، حتى إن هناك اتجاهًا دوليًا واضحًا بأن المودع لا يجب أن يدفع ثمن الانهيار. أما الدولة، وهي محور الفجوة، فلا يمكنها إلا أن تعترف بمسؤوليتها عن الدين والخسائر المتراكمة في مصرف لبنان".
من هنا، إن الترتيب العادل والمنطقي لتوزيع المسؤوليات، يضيف حكيم، "يجب أن يكون أولًا الدولة، ومصرف لبنان ثانيًا، مع مراعاة التراتبية القانونية للدائنين من ناحية المصارف أو حاملي الأسهم وغيرهم، ونتكلم هنا عن رأسمال المصارف. وهذا مبدأ طبيعي في أي نظام مصرفي، إذ في كل مرة تحقق المؤسسة أرباحًا تتوزّع على المساهمين، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخسائر في حال تعرّضت أي مؤسسة للانهيار. مشدّداً على ضرورة أن تتحمّل الدولة مسؤوليتها وتسدّد قسمًا من الخسائر، وهذه نقطة جوهرية يجب ألا تضيع في النقاش السياسي".
الى جانب ذلك، يرى حكيم أن من بين الحلول المطروحة إنشاء «الصندوق الوطني لاسترداد الودائع» على أسس تتسم بالشفافية، لناحية مصادر تمويله ودوره ومساهمة مساهمي المصارف فيه، على أن يتمتع بميزانية مستقلة. أما مصرف لبنان، فيُفترض أن يساهم تدريجياً في معالجة الخسائر وإعادة تكوين رأسماله (Recapitalization)، إلى جانب إصدار سندات طويلة الأجل والاستفادة من جزء من الإيرادات. وفي المقابل، يتمثل دور صندوق النقد الدولي في دعم برنامج التعافي، بما يعزز ثقة المستثمرين والمساهمين بالاقتصاد اللبناني.
كما تطرّق الى أهمية تطبيع النظام المصرفي، ووضع حدّ لتعدّد العملات واللولار، وإعادة خدمة القروض إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.
أما الذهب، فيمكن استخدامه كقوة اقتصادية ومالية للدولة من دون التفريط به. وفي الختام، رأى حكيم أننا "أصبحنا أقرب من أي وقت مضى إلى مرحلة الحل. وقانون استرداد الودائع سيكشف من سيدفع ثمن الانهيار. وفي ظلّ عدم وجود، حتى الساعة، صيغة مقبولة لتقسيم الـ83 مليار دولار، واستمرار الخلاف على توزيع المسؤوليات، قد يتأخر إقرار قانون الانتظام المالي. في ظلّ تلك العقد يبقى الثابت : لا إعفاء من المسؤوليات: الدولة، مصرف لبنان، والمصارف. وبالتالي، لا يجوز أن يكون المودع كبش المحرقة.
إذاً إن قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع يعتبر اختبارًا لقدرة الدولة على إنهاء سنوات الإنكار والمماطلة، ولمدى قدرتها على تحقيق توازن بالغ الصعوبة بين إعادة الانتظام إلى النظام المالي وحماية ما تبقّى من حقوق المودعين.
أزمة نظام سياسي
وفي هذا السياق كان للكاتب والباحث في الشؤون الماليَّة والاقتصاديَّة البروفسور مارون خاطر مقاربة مماثلة ولكن من زاوية مختلفة. إذ قال لـ"نداء الوطن" أنه "لا يُمكن حَصر معالجة الفجوة المالية في لبنان بعملية مُحاسبيَّة هَدَفها توزيع الخسائر على الوَرَق ثم شطب جِزء كَبير مِنها عَبر مُرور الزَّمَن. الأزمة اللبنانية ليسَت أزمة مصرفيَّة بَحتة، بل هي أزمة نظام سياسي تراكمت تَبِعاتُها الاقتصاديَّة والماليَّة والنَّقديَّة والمَعيشيَّة على مَدَى سَنَوات.
لِذلك، فإنَّ أي مقاربة جِدية يَجِب أن تبدأ من تَحديد الحَجم الحَقيقي للفجوة، ثُم تَحديد مَصادر الخَسائر والمَسؤوليات، قَبل الانتقال إلى مرحلة توزيع الخسائر.
في هذا السِّياق تَبرز أهمية المساءلة والمحاسبة لأنَّ الأزمة نَتجت عن سياسات ماليَّة ونَقديَّة ومَصِرفيَّة خاطئة، وَعَن سوء الإدارة وغياب الحَوكَمَة والرقابة الفاعلة.
لا يَجوز أن تَنتهي المُعالجة إلى تَحميل المودعين لنتائج الأزمة، بَل المَطلوب هو تَوزيع عادِل ومتوازن للخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، كلٌّ بحسب مسؤوليته وقدرته على التَّحَمُل.
في ما يتعلق بالمودعين، من غير المَقبول أنَّ المِعيار العَادل هو التَّمييز بَين مُودع صغير وَمُودع كَبير على أساس حَجم الوَديعة. يجب أن يرتكز التصنيف على الفَصل بَين مُودع كَوَّن أموالَه من مِصادر مشروعة وَوَاضحة، وَمُودع استفاد من ممارسات استثنائية أو غير مشروعة أو حقق أرباحاً غير عادية على حِساب النظام المالي. فحِماية الحقوق يَجِب أن تَرتَبِط بِمَشروعيَّة الأموال والسلوك، لا بِحَجم الحِساب.
في الخلاصة، لا يُمكن أن يَكون هُناك إصلاحٌ حقيقي من دون مُحاسبة، ولا مُحاسبة فاعِلة من دون ورشة إصلاحية بُنيويَّة. إلا أنَّ الاثنان يَحتاجان إلى دولة قانون وعدالة مُستقلة وقادرة على تطبيق القانون على الجميع.
تَتَمَثَّل نقطة الانطلاق الفعلية التي تُشكل اولويَّة لِمعالجة الفَجوة الماليَّة بإرساء استقرار سياسي مُستدام يُتيح تفعيل العَدالة، لتكون الضامن للإصلاح والمُحاسبة على حدٍ سَواء.
باتريسيا جلاد -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|