الهزاع يبحث مع وزير التربية السوري وضع الطلاب السوريين في لبنان
بزشكيان يريد التفاوض... فمن يقرّر في طهران؟
ليست كل الكلمات التي تصدر عن المسؤولين الإيرانيين مجرد مواقف سياسية للاستهلاك الإعلامي. أحيانًا تكشف الكلمات أكثر مما تريد السلطة أن تكشفه، خصوصًا عندما تأتي في لحظة حرب وضغط اقتصادي وصراع على اتجاه الدولة.
ولهذا، فإن كلام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في الأيام الأخيرة يستحق أن يُقرأ أبعد من عباراته المباشرة. فقد أقرّ بأن الحرب ألحقت أضرارًا كبيرة بالاقتصاد الإيراني، مشيرًا إلى تراجع مبيعات النفط وتدمير المصانع، وما ترتب على ذلك من ارتفاع الأسعار وتراجع الإيرادات الضريبية.
قد يبدو هذا الكلام، للوهلة الأولى، متناقضًا مع الصورة التي تقدمها إيران للعالم: دولة تقف في وجه الولايات المتحدة، ترفض شروطها، وتتمسك بمضيق هرمز كورقة قوة. لكن التناقض الظاهري هنا هو بالضبط ما يستحق التوقف عنده.
فهل يتحدث بزشكيان باسم إيران فعلًا؟ أم أنه يكشف عن إيران أخرى موجودة داخل إيران الرسمية؟
هذه ربما هي الزاوية الأكثر أهمية لفهم المشهد الإيراني اليوم.
منذ بداية الحرب، حرص النظام على إظهار صورة الوحدة. لكن الوحدة في زمن الحرب لا تعني بالضرورة وحدة الرؤية. فقد يكون الجميع متفقين على رفض الهزيمة، لكنهم مختلفون حول كيفية تحقيق ما يسمى «الانتصار»، والأهم: كيف تنتهي الحرب من دون أن تتحول النتيجة إلى هزيمة سياسية؟
وهنا تبدو مشكلة بزشكيان.
فالرئيس الإيراني سبق أن دعا إلى الخروج من حالة «لا حرب ولا سلام» مع الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الوقت مناسب للوصول إلى اتفاق دائم، كما شدد على أن بلاده لا تريد توسيع الحرب.
لكن إيران الرسمية لا تتحدث بصوت واحد.
ففي الوقت الذي يفتح فيه بزشكيان باب الحوار، يرفع الحرس الثوري سقف المواجهة. وقد أعلن أن مضيق هرمز «ساحة معركة»، وأن إيران لن تتخلى عنه قبل قبول شروطها، فيما لا تزال طهران تضع شروطًا لإعادة فتحه.
وهنا يصبح هرمز أكثر من مجرد ورقة تفاوضية.
لقد تحول المضيق إلى اختبار للقوة الإيرانية، ولكن أيضًا إلى اختبار لحدود هذه القوة.
إيران تستطيع تعطيل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهذه قدرة استراتيجية هائلة. لكنها لا تستطيع عزل هرمز عن الاقتصاد العالمي من دون أن تدفع هي أيضًا الثمن. فإغلاق المضيق يضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، لكنه يضغط كذلك على إيران، التي تعترف قيادتها السياسية نفسها بأن الحرب ضربت عائداتها النفطية وصناعتها واقتصادها.
ولهذا قد يتحول هرمز، الذي يفترض أن يكون مصدر قوة، إلى أحد عناصر الضغط على طهران. فكلما طال إغلاقه، ازداد الضغط على خصوم إيران، لكن ازدادت أيضًا كلفة العزلة عليها. وبذلك تصبح معركة المضيق في الوقت نفسه أداة تفاوض ومصدر استنزاف.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية كلام بزشكيان.
فهو لا يقول إن إيران خسرت الحرب. على العكس، الخطاب الرسمي ما زال حريصًا على تثبيت فكرة الصمود وعدم الهزيمة. لكنه يعترف بالكلفة، وكأن السؤال بدأ يتغير: هل يكفي الصمود العسكري إذا كانت كلفة استمراره تتراكم داخل الدولة والمجتمع؟
في السياسة الدولية، لا تُقاس نتائج الحرب فقط بمن بقي واقفًا في الميدان، بل بمن يستطيع تحويل قدرته العسكرية إلى مكاسب سياسية. تستطيع دولة أن تمنع خصمها من تحقيق أهدافه، لكنها قد تجد نفسها بعد ذلك أمام اقتصاد منهك، وعزلة متزايدة، وضغوط اجتماعية، وحاجة إلى تسوية.
فالقوة العسكرية لا تكفي لإدارة المرحلة التالية.
وهنا يصبح السؤال الإيراني الحقيقي: ماذا بعد عدم الهزيمة؟
هل تستمر إيران في الحرب حتى يتحول الصمود إلى استنزاف؟ أم تستخدم قدرتها على الصمود للذهاب إلى تفاوض يحفظ لها ماء الوجه ويمنحها مكاسب سياسية واقتصادية؟
بزشكيان يبدو أقرب إلى الخيار الثاني.
لكن المسألة لا تتعلق بالرئيس وحده. فالنظام الإيراني موزع بين مؤسسات ومراكز قوة متعددة، ولكل منها حساباتها. وهناك من يرى أن استمرار الضغط والمواجهة يمكن أن ينتزع تنازلات أكبر من واشنطن، وهناك من يدرك أن إطالة الحرب قد تجعل كلفة المواجهة أكبر من فوائدها.
والأهم أن هذا التباين أصبح مرتبطًا الآن بمصير الاقتصاد الإيراني، وبمستقبل هرمز، وبالعلاقة مع الولايات المتحدة، وبموقع إيران الإقليمي، وبقدرة النظام على الحفاظ على تماسكه الداخلي.
بزشكيان، لذلك، لا يبدو مهمًا لأنه يمثل ببساطة «التيار المعتدل» داخل إيران، بل لأنه يعبر عن سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن لإيران أن تنتقل من منطق المقاومة إلى منطق التسوية من دون أن تبدو وكأنها تراجعت؟
وهذا السؤال أصعب من سؤال الحرب نفسها.
فإيران تستطيع أن تقول إنها صمدت. تستطيع أن تقول إنها لم تستسلم. تستطيع أن تتمسك بهرمز، وأن ترفض الشروط الأميركية. لكنها في مرحلة ما ستضطر إلى الإجابة عن سؤال الاقتصاد، وعن المجتمع، وعن إعادة الإعمار، وعن مستقبل علاقاتها الإقليمية والدولية.
في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة مستعدة لتقديم تنازلات مجانية. فقد صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خطابه بشأن هرمز، متحدثًا عن إخضاع إيران، فيما لا تزال المفاوضات تراوح مكانها.
وهكذا تقف طهران أمام معادلة شديدة التعقيد: لا تريد أن تتفاوض من موقع ضعف، ولا تستطيع أن تستمر في المواجهة بلا نهاية.
لذلك، ربما لا يكون أهم ما قاله بزشكيان هو استعداده للحوار، بل اعترافه بالكلفة.
فحين يتحدث رئيس دولة في زمن الحرب عن تراجع النفط وتدمير المصانع وارتفاع الأسعار، فإنه لا يخاطب الخارج فقط. إنه يخاطب الداخل أيضًا.
وقد يكون بزشكيان يقول، بصورة غير مباشرة، إن إيران تستطيع أن تفاوض من موقع القوة، وإن التفاوض لا يعني الاعتراف بالهزيمة. وهذه الرسالة تصبح أكثر أهمية إذا كان داخل النظام من يرى أن مجرد الحديث عن التسوية يمكن أن يُفسر كتراجع.
المسألة إذًا لم تعد: هل تستطيع إيران أن تقاتل؟ لقد أثبتت أنها تستطيع.
ولم تعد حتى: هل تستطيع الولايات المتحدة الضغط على إيران؟ لقد أثبتت واشنطن أنها تستطيع.
السؤال الأصعب أصبح: مَن داخل إيران يملك قرار الانتقال من الحرب إلى السياسة؟
فبزشكيان يتحدث عن الحوار، بينما تتحدث مؤسسات أخرى بلغة مختلفة. إيران تعلن أنها قوية، لكنها تعترف في الوقت نفسه بتفاقم اقتصادها. تتمسك بهرمز باعتباره ورقة قوة، لكن هذه الورقة نفسها ترفع كلفة المواجهة عليها. وتؤكد وحدة القرار، بينما تكشف اختلاف الأولويات عن نقاش حقيقي حول الطريق إلى الأمام.
ومن المهم هنا عدم المبالغة والقول إن النظام منقسم أو على وشك الانهيار؛ الأدق أن هناك اختلافًا في تقدير اللحظة السياسية وكلفة الخيارات.
ولهذا فإن ما يحدث في إيران اليوم قد لا يكون مجرد فصل جديد من الحرب مع الولايات المتحدة.
قد يكون بداية معركة أخرى، أقل صخبًا من الصواريخ، لكنها أكثر حساسية لمستقبل النظام: معركة تحديد من يقرر كيف تنتهي الحرب، وبأي ثمن، وتحت أي شروط.
وإذا كان بزشكيان قد بدأ يتحدث بهذه الصراحة عن كلفة الحرب، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف تنتصر إيران؟
بل أصبح: كيف تخرج إيران من الحرب من دون أن تخسر نفسها؟
بولا أبي حنا -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|