الصحافة

غسيل المعلومات: كيف اخترع “الحزب” صحافيًّا إسرائيليًّا؟!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

 “اقرأوا ما كتبه المفكر والصحافي اليهودي موشي يائير في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، إذ قال إن الإسرائيليين محظوظون لأن الطرف الآخر أرسل وفدًا يتساهل في حقوق لبنان بينما يتشدد ضد سلاح المقاومة”. بهذه الكلمات ورد نصٌّ استشهد به الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم مرارًا في خطابات ومناسبات متفرّقة، ليمنحه تكراره بُعدًا توثيقيًّا في أدبيّات الحزب السياسية.

غير أن المعاينة الفاحصة لم تكن بحاجة لإعادة عرض الفكرة، بل للتدقيق في المصدر نفسه؛ فالبحث في الأرشيف الرقمي لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، ومراجعة قواعد البيانات المتخصّصة في تقصي الإعلام العبري، أثبتا غياب أي اسم أو كاتب يُدعى “موشي يائير” (Moshe Yair). إنه شاهدٌ منحول، اقتُطع من العدم ليتحوّل إلى وثيقة سياسية في خطاب رسمي.

والواقع أن أبعاد هذا الانكشاف تتكشف بدقة بالغة وفق تحقيق استقصائي نشره موقع “المشاهد نت” اليمني في 7 تشرين الثاني 2025، أعده الباحث محمد الهمداني ضمن مشروع دبلوم “أريج” لتدقيق المعلومات، بالشراكة بين “المشاهد نت” والشبكة العربية لمدقّقي المعلومات (AFCN).

التحقيق أزاح الستارة عن الهندسة الكاملة لهذه الشخصية الوهمية؛ إذ تبيّن أن الحساب الأساسي يعمل تحت معرّف ثابت (mosha3324@) باسم “موشي جرادي”، بينما كان اسم “موشي يائير” مجرّد محطة مؤقتة استخدمها الحساب منذ أواخر 2023 تقريبًا وحتى آذار 2025، قبل استقراره على هويته الحالية.

وكشف التوثيق الاستقصائي أن الحساب أُنشئ أول مرة في 28 شباط 2022 باسم هويّة يمنية مستعارة تدعى “ريدان”، ليخوض رحلة تحوّلات رقمية طويلة، محقّقًا قفزة نمو غير طبيعية من 442 متابعًا في تشرين الأول 2023 إلى نحو 238 ألف متابع في تموز 2024.

وأظهر كشف أداة (Circleboom) على عينة من 50 ألف متابع أن 42% منهم حسابات وهمية وشبكات “بوتات” مُدارَة آليًّا لتضخيم الأعداد ونشر المحتوى، فيما بلغت نسبة المتابعين لحساب قناة “الجزيرة” نحو 59.35%، ما يبرهن على أن الحساب أُسس بالكامل لمخاطبة وتضليل العقل العربي وليس للتعبير عن الداخل الإسرائيلي.

غير أن المشكلة الأعمق تكمن في نمط “غسيل المعلومات” (Information Laundering)؛ وهي الآلية التضليلية التي تنقل المنشورات مجهولة المصدر عبر منصات التواصل وغرف “تيليغرام”، لتتلقفها وسائل إعلام المحور والمواقع المقربة وتمنحها “مصداقية تداولية” زائفة عبر وصف الحساب بـ“الصحافي أو المفكر الإسرائيلي”. وهي الظاهرة التي تحذّر منصات تدقيق المعلومات (مثل “منصة صدق”) من خطورتها، كونها تُسقط الشكوك عن الحسابات الوهمية وتصنع لها وجاهة زائفة.

إن إعادة تدوير تغريدات حساب وهمي وتغليفها بصفات إعلامية نجحت في خلق وهم “الانتشار الطبيعي” لنص مصنوع، ليتحول منشور إلكتروني مجهول إلى اقتباس يتكرر في الخطابات القيادية.

هذا الاعتماد على السراب الرقمي يُحيلنا إلى احتماليْن لا ثالث لهما: إمّا أن الماكينة الإعدادية للحزب وقعت في فخ غرف المصادر المغلقة، فنقلت مواد ملفّقة من دون تمحيص عن أصلها العبري؛ وإمّا أن الأمر جرى عبر توظيف سياسي متعمّد، رهانًا على أن الشارع لن ينبش الأرشيف الإسرائيلي ولا تاريخ الحسابات المزيفة، وأن المهم هو ترويج مقولة “وشهد شاهد من أهلها” لتخوين الخصوم المحليين والشدّ من أزر البيئة الحزبية.

وفي الحالتين، تحوّل الاسم المصنوع إلى أداة لتعبئة العقول وإيهام البيئة الحزبية بأنّ الخصم يمتدح صمود السلاح ويستخفّ بالوفد اللبناني. ويميل العقل الجمعي المحاصر بالتوجيه العقائدي إلى تقبّل ما يصدر عن القيادة بوصفه حقيقة لا تقبل الشك، لتتحوّل الشائعة إلى “دليل دامغ” يُستشهد به في السجال اليومي، ما يضاعف عزلة الجمهور عن الواقع السياسي.

إن الاستعانة بـ”الشاهد المزيّف” تعكس أزمةً عميقةً في الخطاب الإيديولوجي عند انكشافه؛ فبدلًا من مراجعة الحسابات الوطنية التي أوصلت البلاد إلى مأزقها الراهن، يُستحضر الشبح العبري لشرعنة السلاح وحمايته عبر اصطناع الخوف وتخوين الآخر.

يقف لبنان اليوم عند لحظة فارقة تشترط الخروج من هذا التضليل المنظم؛ فالدول لا تُبنى على أشباح صحافية ولا على فبركات إلكترونية، والتعافي الحقيقي يبدأ بالمكاشفة والشجاعة في العودة إلى أحضان الدولة ومؤسّساتها الشرعية.

إلياس عيسى إلياس -”هنا لبنان”

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا