الصحافة

الجيش بين نار إسرائيل وفتنة الداخل... هل ينجح في أصعب اختبار؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يخوض الجيش اللبناني، في توقيت يسبق الذكرى السنوية لتأسيس المؤسسة العسكرية، واحداً من أكثر الاستحقاقات حساسية منذ سنوات، بعدما ألقيت في يديه كرة لهب، تتداخل فيها الضغوط الإسرائيلية مع الانقسامات الداخلية، ويُحمَّل فيها مسؤوليات تتجاوز ربما إمكاناته وصلاحياته.

يُطلب من الجيش ما لم تستطع الدولة القيام به، فيما لا تزال إسرائيل تحتل أراضيَ لبنانية وتواصل اعتداءاتها، ليجد نفسه أمام امتحان مصيري، عنوانه الحفاظ على الاستقرار الداخلي من دون أن يُدفع إلى مواجهة، يريدها الإسرائيلي، أو إلى صدام يهدد السلم الأهلي. تدرك قيادة الجيش حكماً، أنّ إسرائيل لا تمانع في جرّ المؤسسة العسكرية إلى مواجهة داخلية، بل إن ذلك يخدم أهدافها في المرحلة الحالية والمقبلة، عبر تحميل الجيش مسؤولية أي احتكاك داخلي أو دفعه إلى مسار يستنزفه وطنياً ومعنوياً. وفي المقابل، تتمسك قيادة الجيش بمقاربة تقوم على التروي، وتؤكد في كل مناسبة أن معالجة ملف السلاح لا يمكن أن تتم بالقوة، بل تحتاج أولاً إلى مظلة سياسية وتوافق وطني يسبق أي خطوة تنفيذية.

وفي موازاة الضغوط الخارجية، تواجه المؤسسة العسكرية للمرة الأولى منذ سنوات حملة انتقادات داخلية غير مسبوقة، تجاوزت تقييم الأداء العسكري إلى التشكيك بدورها وقيادتها. فترتفع أصوات سياسية تطالبها بحسم ملف السلاح بالقوة، فيما ترى المؤسسة العسكرية أن أي خطوة غير محسوبة قد تفتح الباب أمام فتنة داخلية، وتنسف الدور الذي قامت عليه باعتبارها الضامن الأول للاستقرار.

ولا تقف التحديات عند هذا الحد. فالجيش يواصل تنفيذ مهامه في الجنوب تحت وطأة الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية اليومية، فيما يكرر في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، مطلباً أساسياً يتمثل بالحصول على جدول زمني واضح وملزم للانسحاب الإسرائيلي، باعتبار أن أي خطوات لاحقة لا يمكن أن تُبنى على وعود فضفاضة أو مهل مفتوحة. إلا أن إسرائيل تواصل رفض تقديم هذا الالتزام، ما يعقّد مسار التفاوض ويُبقي المؤسسة العسكرية أمام تحديات متزايدة.

إدارة التوازنات السياسية الدقيقة

أما ملامح المرحلة المقبلة، فتشير إلى مسار عنوانه بسط سلطة الدولة والجيش على كامل الأراضي اللبنانية، إلا أن هذا المسار لن يكون سريعاً أو سهلاً، بل يرتبط بتوازنات سياسية داخلية وإقليمية معقدة، وبعملية طويلة تشمل ملف السلاح، والتوافق السياسي، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.

وعليه، لا يقتصر التحدي الذي يواجهه الجيش على إدارة الواقع الأمني، بل يمتد إلى إدارة التوازنات السياسية الدقيقة، في لحظة تتزايد فيها الضغوط عليه من مختلف الاتجاهات.

فكيف يمكن للجيش أن يبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، فيما لا تزال الدولة عاجزة عن فرض الانسحاب الإسرائيلي الكامل، أو التوصل إلى معالجة داخلية متوافق عليها لملف السلاح؟ وأمام هذا الواقع، ما حدود الدور المطلوب من المؤسسة العسكرية، وما الذي تستطيع إنجازه فعلياً ضمن الإمكانات البشرية واللوجستية والسياسية المتوافرة.

هل يواجه الجيش الامتحان الأصعب؟

فهل يمتلك الجيش الأدوات اللازمة لتحقيق هذا التوازن الدقيق وتنفيذ المهام المطلوبة منه، وهل يواجه الامتحان الأصعب، اليوم؟ يعتبر العميد الركن فادي داوود أن الجيش، من الناحية اللوجستية والعسكرية، يمتلك القدرة على تنفيذ هذه المهمة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في التوازنات الداخلية والحسابات السياسية التي تحكم هذا الاستحقاق، لافتاً إلى أنّ الجيش اللبناني وعلى امتداد تاريخه، واجه امتحانات صعبة واستحقاقات دقيقة، وتمكن في كل مرة من اجتيازها بنجاح. واليوم، يجد نفسه مجددًا أمام تحدٍّ بالغ الحساسية، وكأن كرة نار وُضعت بين يديه. فالمطلوب منه بسط سلطة الدولة على الأرض، مع تجنب أي احتكاك أو إشكال داخلي قد يهدد الاستقرار.

وفي حديث مع "المدن" يؤكد داوود في قراءته السياسية والعسكرية للتحديات التي سيواجهها الجيش في المرحلة المقبلة أن "لا مصلحة للسلطة السياسية في وضع المؤسسة العسكرية أمام متاهة أو دفعها إلى مواجهة داخلية، لكن يبقى كل استحقاق من هذا النوع بمثابة اختبار جديد للجيش، الذي يقع على عاتقه تنفيذ مهمته الوطنية في ظل ظروف شديدة التعقيد".

وأمس، رفع الجيش اللبناني سقف موقفه حيال مسار تنفيذ اتفاق الإطار، متهماً إسرائيل مباشرة بتعطيل تنفيذ بنوده وتقويض الجهود المبذولة لإنجاحه. وفي بيان حمل رسائل عدة، غمز الجيش ممتعضاً من غياب موقف رسمي سياسي أكثر وضوحاً في مواجهة الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية. في مقابل التأكيد على جهوزيته للمضي في تنفيذ خطته الخاصة بحصر السلاح، شرط التزام إسرائيل بتنفيذ ما يترتب عليها من انسحاب ووقف للاعتداءات، بما يسمح باستكمال الاتفاق وفق الآلية المرسومة.

ويأتي هذا الموقف بمثابة رسالة استباقية قبل الجولة المقبلة من محادثات روما المقررة في الرابع من آب، والتي يُنظر إليها على أنها محطة مفصلية ستختبر مدى جدية الضمانات الأميركية وقدرتها على إلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها، والانتقال إلى مراحل ثانية من المناطق التجريبية.

تحديات أمام الجيش

وفي تعليقه على بيان قيادة الجيش الأخير، يرى داوود أنّ الاتفاق الذي تم التوصل إليه جاء نتيجة ضغط أميركي على إسرائيل، ومن الطبيعي أن يسعى الجانب الإسرائيلي إلى عرقلة هذا المسار، لأنه لا يريد له أن ينجح. ولكن بحسب داوود فإنّه على الرغم من كل الصعوبات، فاحتمالية نجاح المسار التفاوضي لا تزال كبيرة، "وهذه الصعوبات، مهما بلغت، تبقى أقل كلفة بكثير من استمرار الحرب والخسائر البشرية والمادية".

أما الصعوبات التي تواجه الجيش اللبناني اليوم، فتنقسم إلى شقين: الأول خارجي، ويتمثل في استمرار إسرائيل بعرقلة تنفيذ الاتفاق، إلى جانب الاعتداءات والتفجيرات والغارات التي لا تزال تنفذها. أما الشق الثاني فهو داخلي، في ظل إصرار حزب الله على عدم تسليم سلاحه، كما يشير داوود. فكيف سيتعاطى الجيش مع هذه المسألة في المرحلة المقبلة، يجيب: "معالجة مسألة السلاح ليست من مسؤولية الجيش، بل هي قرار تتخذه السلطة السياسية. والمؤسسة العسكرية تنفذ ما تقرره السلطة ضمن الأطر الدستورية والقانونية. وفي هذا السياق، أرى أن المواقف الصادرة عن رئيس مجلس النواب نبيه بري تشكل عنصرًا يمكن البناء عليه، فهو يبقى، في نهاية المطاف، أحد ركائز التوازن في الدولة اللبنانية".

مشهد يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بدور المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة، إذ لم يعد التحدي محصوراً في تنفيذ مهمة أمنية أو عسكرية، بل بات مرتبطاً بإدارة استحقاق سياسي بالغ الحساسية، يتداخل فيه مسار تنفيذ الاتفاق مع ملف السلاح، ومع مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب. وكل خطوة سيقدم عليها الجيش مرتبطة بمسار تفاوضي أوسع، وبمدى قدرة الوسطاء على إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، بما يفتح الباب أمام الانتقال إلى المراحل اللاحقة من الاتفاق.

زينب زعيتر - المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا