الحرب تلهب الأسعار...كلفة المعيشة ترتفع 29% والحد الأدنى للأجور يفقد قدرته الشرائية
توحّش إسرائيل لا يستثني اللاجئين: للسوريين نصيب من النزوح... والشهادة
مع نهاية الأسبوع الماضي، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية استشهاد تسعة مواطنين سوريين من عائلة واحدة، بينهم ستة أطفال، قضوا جراء غارة إسرائيلية على بلدة عدلون في الجنوب. تلك لم تكن المرّة الأولى التي يُعلَن فيها رسمياً استشهاد مواطنين سوريين على الأراضي اللبنانية؛ فمنذ بداية العدوان الحالي، تعرّضت أسر سورية كاملة لاستهداف مباشر من الطائرات الإسرائيلية، بدءاً من قرى الجنوب إلى البقاع مروراً بالعاصمة بيروت، وتحديداً خلال عدوان «الأربعاء الأسود» في الثامن من أيار الماضي. وبحسب بيانات وزارة الصحة اللبنانية، فإن عدد الضحايا السوريين (شهداء وجرحى) من جراء العدوان الحالي وصل، في نهاية أيار، إلى نحو 476 شهيداً ومصاباً، مشكّلاً بذلك ما نسبته نحو 4% من إجمالي عدد الضحايا على مستوى لبنان.
وإذ تدلّل تلك النسبة على حقيقة الاستهداف الإسرائيلي المُتعمّد لحياة جميع المدنيين المقيمين على الأراضي اللبنانية وللمنشآت الاقتصادية والخدمية والمنازل السكنية، فإن فقدان أسر سورية لحياتها في هذه الحرب، واضطرار أخرى إلى النزوح مجدّداً بفعل التهديدات الإسرائيلية، يسلّطان الضوء مجدّداً على التوزّع الجغرافي للاجئين السوريين في لبنان. ويأتي ذلك فيما تتمحور الصورة الذهنية المتداولة حول كون معظم هؤلاء موجودين في منطقة البقاع أو منطقة الشمال القريبة من الحدود مع سوريا، علماً أن بيانات «مفوّضية اللاجئين» تتحدّث، بنهاية آذار الماضي، عن أن 35.6% من اللاجئين المُسجّلين، والبالغ عددهم نحو 490 ألف لاجئ، موجودون في منطقة البقاع، و31.2% في الشمال، و22.5% في بيروت، ونحو 10.7% في الجنوب.
في القرى الحدودية
وجد كثير من السوريين الهاربين من معارك بلادهم، في العديد من قرى الجنوب وبلداته مستقرّاً مناسباً لأسرهم ومصدراً لرزقهم، خاصة من كانت لديهم خبرة زراعية أو مهنة فنية. وتشير التقارير المحلية إلى أن معظم العمّال السوريين في الجنوب موزّعون على ثلاثة قطاعات رئيسَة، هي: الزراعة، وتحديداً في سهول صيدا وصور والغازية؛ البناء، الذي يبرع فيه السوريون في جميع المناطق اللبنانية؛ وقطاع الخدمات من مطاعم وفنادق ومحالّ تجارية وغير ذلك.
على صعيد التوزّع الجغرافي في منطقة الجنوب وحدَها، فإن الكتلة الكبرى من اللاجئين السوريين تتواجد في محافظة الجنوب، التي تستقبل، بحسب بيانات «مفوّضية اللاجئين»، نحو 70% منهم؛ وهؤلاء يتوزّعون بشكل أساسي على قضاءَي صيدا وصور، في حين تضمّ محافظة النبطية ما يقرب من 28%، تتركّز الكتلة الكبرى منهم في قضاء النبطية. وتُظهِر الخريطة الجغرافية المنشورة من قبل «مفوّضية اللاجئين»، أن السوريين كانوا بنهاية عام 2025، أي قبل العدوان الإسرائيلي بشهرَين فقط، منتشرين في معظم بلدات الجنوب وقراه، بما فيها تلك الموجودة على الحدود مع فلسطين المحتلة، ككفركلا، مركبا، ميس الجبل، بليدا، بنت جبيل، رميش، عيتا الشعب، الناقورة وغيرها.
قد تكون أعداد السوريين المقيمين في القرى الحدودية قليلة مقارنة بنظرائهم في البلدات البعيدة نوعاً ما من الحدود مع فلسطين المحتلة. وهذا يبدو طبيعياً بعد العدوان عامَ 2024، إلا أنه من الضروري الإشارة إلى أن تلك الأعداد تضمّ فقط المُسجّلين لدى «مفوّضية اللاجئين» الأممية، في حين أن هناك سوريين مخالفين أو أنهم حاصلون على إقامات قانونية. وعدد هؤلاء ليس بالقليل وفقاً لتقارير محلية تحدّثت عن أن أعلى نسبة للسوريين الحاصلين على إقامة قانونية هم الموجودون في الجنوب.
وأيّاً كان حجم تلك الأعداد، فإنه تبقى لها دلالة خاصة تعبّر عن حالة الاستقرار الاجتماعي الذي تعيشه أسر كثيرة لجأت منذ سنوات إلى مدن الجنوب وبلداته، إلى درجة أن نزوحها في عام 2024 لم يمنعها من العودة مع انتهاء العدوان، وهو أيضاً ما سيحدث غالباً بعد انتهاء العدوان الحالي. وفي هذا الإطار، يقول وائل القادم من محافظة دير الزور، والذي لجأ مع ثلاث أسر من أقاربه إلى الجنوب قبل 13 عاماً، وأسّس منشأة صغيرة ليعتاش منها، وذلك قبل أن يضطرّ مرتين (حرب 2024، وحرب 2026) إلى تركها بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، مغادراً مؤقّتاً إلى دمشق، إنه ينتظر انتهاء العدوان ليعود من جديد لإعادة تأهيل منشأته وتشغيلها. فهذه المنشأة التي يعمل فيها سوريون ولبنانيون لم توفّر له مصدر دخل فقط، وإنما مكّنته أيضاً من الحصول على إقامة قانونية بعد أن كان لاجئاً، والتأقلم مع المجتمع المحلي.
رعايا سوريا وليس النظام!
مع أيام النزوح الأولى، كانت سيدة ترتدي شالاً أبيض لم تحجب تجاعيد الزمن جمال وجهها، تفترش مع أبنائها وأحفادها أحد أرصفة الكورنيش البحري في بيروت في انتظار إيجاد مأوى لهم. اقتربت مذيعة محطّة محلية من تلك السيدة وسألتها: «من وين جايين خالة»؟ أجابتها بلكنة حلبية لا تخطئها الأذن: من الجنوب. إجابة اختصرت كثيراً ممّا يمكن أن يقال في مواجهة بعض الحسابات السياسية الضيقة. فكما هو حال السوريين المقيمين في الضاحية الجنوبية، فإن هناك من كان يصرّ على ربط السوريين المقيمين في الجنوب بالنظام السوري السابق، متجاهلين أن بيانات هؤلاء وخريطة توزّعهم الجغرافي مستمدّة من قاعدة بيانات «مفوّضية اللاجئين» الأممية، وأن وجودهم في الجنوب سابق بسنوات لتاريخ سقوط النظام، وأن من لجأ حديثاً إلى لبنان، سواء بعد السقوط أو وقوع مجازر الساحل والسويداء، استقرّ في مناطق أخرى، وتحديداً بين بيروت والشمال والبقاع.
إذا كانت السيدة الحلبية وغيرها ممّن فرض القدَر عليهم امتهان النزوح، ينتظرون انتهاء الحرب للعودة إلى مناطق لجوئهم أو إقامتهم في الجنوب لأسباب اجتماعية واقتصادية، فإن هناك من فضّل العودة مباشرة إلى سوريا، منهياً بذلك مرحلة لجوء دامت لسنوات ولم تكن سهلة. وبحسب المؤشرات الأولية، فإن الكثير من العائدين ينتمون إلى محافظات كانت قريبة من الحدود مع لبنان كريف دمشق وحمص، قد تكون فيها فرص العمل أفضل من ما هي عليه في باقي المحافظات، ولا سيما الشرقية من البلاد.
لكن عاجلاً أم آجلاً، سيعود معظم اللاجئين السوريين إلى بلادهم مع تحسّن أوضاعها الأمنية والاقتصادية. سيعودون مُحمّلين بذكريات الجنوب وأهله، وبمن تركوا خلفهم من جثامين لأقارب أو معارف استشهدوا في الاعتداءات الإسرائيلية واحتضنهم تراب الجنوب وباقي المناطق اللبنانية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|