لبنان بين السلاح والبدائل الممكنة
يبدو المشهد اللبنانيّ اليوم وكأنّه يقف على حافة معادلة دقيقة، تتنازعها الضغوط الميدانيّة والمبادرات السياسيّة، فيما تتقاطع فوقه حساباتٌ إقليميّة ودوليّة لا تمنح البلاد لحظةً لالتقاط الأنفاس.
فلبنان يرفع سقف مطالبه بوضوح، من وقفٍ فعليٍّ لإطلاق النار، لا يشبه الهدن الهشّة ولا التفاهمات المؤقتة، إلى إنهاء الاعتداءات اليوميّة التي تمتدّ من الجنوب إلى البقاع، مرورًا بمناطق متفرّقة وصولًا إلى بيروت وضاحيتها الجنوبيّة. ويوازي ذلك إصرارٌ على وقف أعمال التدمير والتجريف والتهجير، والضغط باتجاه انسحابٍ إسرائيليٍّ كامل من الأراضي المحتلّة.
ولا يقف الطرح اللبنانيّ عند البعد الأمنيّ فقط، بل يتجاوزه إلى ملفٍّ بالغ الحساسيّة، يتعلّق باستعادة الأسرى، وإطلاق مسار إعادة إعمار الجنوب، وصولًا إلى تثبيت استقرارٍ دائم على طول الحدود الجنوبيّة، التي استنزفت البلاد لعقود.
في المقابل، تذهب إسرائيل إلى مقاربة مختلفة تمامًا، تقوم على فرض وقائع أمنيّة جديدة، باعتبار أن المدخل الإلزاميّ لأيّ تسوية يبدأ من نقطة واحدة تتمثّل بإنهاء موضوع سلاح "حزب الله". ومن هذه الزاوية تحديدًا، تُبنى بقية العناوين، من الترتيبات الأمنيّة إلى الانسحابات، وصولًا إلى هندسة واقعٍ سياسيّ جديد هو أبعد بكثير من كلّ ما يُطرح.
صحيحٌ أنّ لبنان، في هذا الإطار، قد اتّخذ قراراتٍ يصفها كثيرون بالتاريخيّة، تتّصل بمسألة السلاح ومن يمتلكه، ومن يقرّر استخدامه، ومن يقف خلفه، وقد لاقت ترحيبًا عربيًّا ودوليًّا لافتًا. غير أنّ السؤال الجوهريّ بقي من دون إجابة، في كيفيّة تحويل هذه القرارات إلى واقعٍ فعليٍّ قابلٍ للتطبيق، في ظلّ تشابك الداخل مع الخارج، وتعقّد ميزان القوى على الأرض.
في هذا السياق، شهدت بيروت زيارةً خاطفةً للجنرال الأميركيّ جوزيف كليرفيلد، رئيس لجنة الإشراف على اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة، حيث التقى قائد الجيش العماد رودولف هيكل في قاعدة بيروت الجوّية. وعلى خطٍّ موازٍ، زار وفدٌ عسكريٌّ فرنسيٌّ رفيع العاصمة اللبنانيّة، بالتزامن مع تقدّم طرحٍ أوروبيٍّ يقضي بإنشاء قوّةٍ دوليّةٍ جديدة تحلّ محلّ قوّات "اليونيفيل"، قبل انتهاء ولايتها ومهامّها نهائيًّا مع نهاية العام.
دخل هذا النقاش أيضًا في صلب المحادثات السياسيّة العليا، بما في ذلك اللقاءات بين الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة نواف سلام في باريس، حيث طُرحت فكرة القوّة البديلة كجزءٍ من تصوّرٍ أوسع لإعادة ضبط الوضع في الجنوب اللبنانيّ.
في خضمّ هذا المشهد، عُرضت أفكارٌ إضافيّةٌ خارج الصندوق، أبرزها ما كتبه المحلّل والكاتب السياسي توماس فريدمان في صحيفة "نيويورك تايمز"، حيث اقترح ما سمّاه "خطة ترامب لإنقاذ لبنان". تقوم هذه الفكرة على انسحابٍ إسرائيليٍّ كامل، مقابل نشر قوّةٍ دوليّةٍ متعدّدة الجنسيّات، يُفترض أن تكون بقيادة أو بشراكة مع حلف شمالي الأطلسيّ، وبالتنسيق المباشر مع الجيش اللبنانيّ، بما يؤمّن الطمأنينة للجنوب اللبنانيّ وللشمال الإسرائيليّ.
ينطلق هذا الطرح من قراءةٍ نقديّةٍ للتجربة الإسرائيليّة في لبنان منذ أواخر السبعينات، حيث تعاقبت العمليات العسكريّة من مواجهة "منظمة التحرير الفلسطينيّة" إلى الصدام مع "حزب الله"، من دون أن تنجح في إنتاج استقرارٍ دائم. ويرى فريدمان أنّ الاستمرار في النهج نفسه يعني تكرار النتائج ذاتها، وهو ما يلخّصه بمقولةٍ مفادها أنّ الجنون هو تكرار الفعل نفسه مع توقّع نتائج مختلفة.
وفي المقابل، يقرّ بأن تفكيك سلاح "حزب الله" ليس مسألةً تقنيّةً أو أمنيّةً بسيطة، بل هو معقّدٌ عسكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، وقد يحمل مخاطر تفجيريّةً داخليّة في لبنان نفسه، خصوصًا في ظلّ التوازنات الطائفيّة الدقيقة، واحتمال انزلاق البلاد إلى صدامٍ داخليّ إذا ما جرى دفع الجيش اللبنانيّ إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ وشاملة.
من هنا، يطرح خيارًا ثالثًا يقوم على انسحابٍ إسرائيليٍّ كامل، يقابله انتشار قوّةٍ دوليّةٍ ثقيلة التسليح، تعمل مع الجيش اللبنانيّ وتحت سقف شرعيّته، بما يمنع الفراغ الأمنيّ ويحدّ من ذريعة التصعيد. ويعتبر أنّ مثل هذا الترتيب قد يحظى بقبولٍ دوليّ، وربّما حتّى بقدرٍ كبيرٍ من القبول الداخليّ، لأنّه يوفّر مخرجًا متوازنًا، يقضي بخروج إسرائيل من لبنان، وتراجعٍ طوعيٍّ لمبرّرات المواجهة، وبالتالي التخلّي عن السلاح، من دون الدخول في مغامرة تفكيكه قسرًا، بما قد يجرّ البلاد إلى انفجارٍ داخليّ.
هذا التصوّر، وإن بدا نظريًا، ليس بعيدًا عن النقاشات الأوروبيّة السابقة والجارية بهدوء. فهناك حراكٌ دبلوماسيٌّ متدرّج، تقوده خصوصًا فرنسا وبعض الدول الأوروبيّة، لاستكشاف إمكانات تشكيل قوّةٍ دوليّةٍ بديلة عن "اليونيفيل" قبيل انتهاء مهمّتها. وتُبدي دول مثل إسبانيا وإيطاليا والنمسا وغيرها استعدادًا مبدئيًّا للمشاركة، مع عدم استبعاد انخراط أطرافٍ عربيّة في حال تبلور الإطار السياسيّ. وقد أعلن الاتّحاد الأوروبيّ صراحةً عن رغبته في تشكيل قوّةٍ مسلّحةٍ تساعد الجيش اللبنانيّ في تنفيذ مهامه.
هو طرحٌ ممكنٌ ومنطقيّ، لكنّه غير مضمون، إذ تكمن الإشكاليّات في التفاصيل، وفي طبيعة المهامّ والصلاحيّات، وحدود الانتشار الجغرافيّ، والإطار القانونيّ، وآليّة التفويض، سواء عبر مجلس الأمن مع خطر الفيتو الروسيّ والصينيّ، أو عبر الاتّحاد الأوروبيّ، إضافةً إلى ما سيكون عليه، في الأساس، موقف الولايات المتّحدة وإسرائيل.
وهكذا، يقف لبنان مجدّدًا أمام مفترقٍ لا يحتمل المراوحة الطويلة: إمّا هدنةٌ تُخرق على مدار الثواني، وإمّا تسويةٌ كبرى لم تتبلور معالمها بعد، وإمّا انزلاقٌ نحو مساراتٍ مفتوحة على كلّ الاحتمالات. وفي جميع الحالات، يبقى الثابت الوحيد أنّ السلاح لم يعد مجرّد قضيّة، بل تحوّل إلى مرآةٍ تختصر أزمة الدولة اللبنانيّة بكلّ تعقيداتها.
بقلم - انطوان العويط
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|