محليات

يارون منكوبة... والأهالي يرفعون الصّوت ويتحرّكون للضّغط على الدولة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

على تخوم الخط الأزرق تقع بلدة يارون، البلدة التي طالما اعتُبرت نموذجًا للعيش المشترك، بسكانها من الطائفتين الشيعيّة والروم الكاثوليك. تتميّز بفخامة منازلها وتنوّعها بين القصور والدور والفيلات، التي يعود تاريخ بعضها لمئات السنين، كما تتميّز بموقعها الجغرافي، الذي نستدلّ عليه من اسمها الذي اعتبره كثيرون تحريفًا لكلمة ياروم والتي تعني المكان المرتفع.

منذ الأسبوع الأوّل لحرب الإسناد في تشرين الأول 2023، عاد كابوس الحرب إلى البلدة ولوّح النّزوح بيده لأهلها، وكأنّ المعنى الثاني لاسم البلدة والذي تفسيره الخوف والهلع، يأبى ألّا يحمله أبناؤها، فيباغتهم من فترة إلى أخرى ويلازمهم حتّى يزيد من خوفهم عليها وهلعهم من هجرها ويعمّق حبّهم وتعلّقهم بها أكثر فأكثر.

على مدى سنة تقريبًا ترسّخ اسم يارون في أذهان النّاس بعد أن كان يتردّد بشكل شبه يوميّ في الوسائل الإعلاميّة ووسائل التواصل الإجتماعيّة في الحرب الماضية إذ كانت محطّ اشتباكات دائمة ومكان استهداف يومي للغارات والقصف الإسرائيلي، ولكن منذ هدنة 2024 وحتى اليوم غابت بشكل ملحوظ ولم نعد نسمع باسمها، فقد سيطر عليها الدمار وأصبحت منكوبة، كما أنّها أصبحت "وراء" الجيش الإسرائيلي، وبالتّالي لا عمليات داخلها، وضربها بات متقطعًا إن حصل.

ومع إيعاز الجيش الإسرائيلي بتطبيق سياسة الأرض المحروقة، وهدم منازل ومباني قرى الخط الأوّل، ابتلع الدمار البلدة المهجورة أساسًا، وأعاد الركام والغبار رسمها، فكانا الشاهدين الوحيدين على ما حلّ بها.

العيش المشترك الذي طالما تحلّت به البلدة، تجسّد حتّى في المأساة، فمنازل القرية بمسلميها ومسيحيّيها والبالغ عددها 850، تساوت في الجرف والهدم، كما دور العبادة والصّلاة، من جامع وكنيسة عمرهما مئات السنوات إلى مجمع حسيني ودير راهبات، وأربعة عشر موقعًا دينيًّا وأثريًّا تشكلّ تاريخ البلدة وذاكرة سكانها، عدا عن أملاك البلديّة والأملاك العامّة التي حيكت فيها أحلى الحكايا ورسمت بها أجمل الذّكريات.

الدمار الذي حلّ بالبلدة جرّاء الحرب الأولى طُبع في أذهان سكان البلدة، ومع انقطاع الأخبار عنها وغياب الصّور والفيديوهات التي توثّق حالتها المستجدّة، كان الأمل بالعودة يزداد يومًا بعد يوم، لكنّ الفيديو الذي انتشر مؤخرًا حول هدم دير الراهبات الباسيليات المخلصيات والذي كان مدرسة للأطفال، وفيه المقرّ الصّيفي لمطرانيّة صور للروم الملكيّين الكاثوليك أبرز قساوة الواقع، وحقيقة ما حلّ بالبلدة حين سكتت أصوات المدافع فيها، ما شكّل صدمة لدى السّكان وأشعل شرارة الغضب في نفوسهم خصوصًا أنّ البلدة لم يطلق منها أي رصاصة في فترة الهدنة إن لم نقل خلال الحرب الأخيرة، على حدّ تعبير رئيس البلدية حافظ غشام، الذي كشف عبر "أخبار اليوم" عن تحرّكات عدّة قام وسيقوم بها وفد من شباب البلدة لرفع صوتهم عاليًا.

ومن بين اللقاءات التي نظّمت كانت مع رئيس الجمهوريّة بهدف الضّغط على تحييد منازل الحارة الغربيّة التي لم تجرف بعد، لكنّ الوقت كان قد فات، فالفيديو الذي انتشر أثبت أنّ عمليات الجرف قضت على ما تبقى منها.

إلى ذلك، رافق رئيس البلديّة وفدًا من الشباب قاصدين النائب ملحم خلف، الذي كان قد أبدى تعاطفًا معهم في السابق وزارهم في البلدة، حيث زرع أرزة في ترابها تزامنًا مع دخول المستوطنين إليها وحملة التشجيع على الاستيطان فيها، أيضًا من موقعه الوسطي وخلفيّته القانونيّة، إذ أوضح غشام: "الغاية من الزيارة كانت الاطلاع على دراسات قانونيّة لمعرفة ما إذا كان بإمكان البلديّة القيام بأي خطوة قانونيّة إن عبر الأمم المتحدة أو دول أخرى يحمل أبناء يارون جنسياتها (أستراليا، أميركا، كندا...)، ولكن للأسف تبيّن أنّ الإسرائيلي يصعب محاكمته في كلّ الأمكنة، أيضًا كانت الغاية أن يرفع صوتنا مع جمعيات يعرفها ومع المراجع الدينيّة كافة لوقف عمليات التجريف، خصوصًا ألّا خطر يهدّد الجيش الإسرائيلي في بلدتنا اليوم، إنّما هو دخل عن سابق إصرار وتصميم وبدأ بجرف المباني التي كانت لا تزال متبقية، وهي حوالي 150 بيتًا صالحة للسكن، كما بساتين الزيتون، الأشجار المثمرة، وكلّ ما هو قابل للحياة، إضافة إلى جرف البنى التحتيّة التي أعدنا إصلاحها وإعمارها من شبكات كهرباء ومياه"، وأردف قائلًا: "الهدف كان قد أعلنه صراحة وهو اعتماده سياسة الأرض المحروقة غير القابلة للحياة".

وأكّد غشام أنّ حراك أبناء البلدة مستمرّ للضّغط على الدولة للتحرّك بفعاليّة أكبر، ومن المفترض أن يقوموا بزيارة لرئيس مجلس النواب نبيه بري، وبعض المرجعيّات بهدف إعلاء الصّوت لعلّه يصل، خصوصًا أنّ يارون فيها الكثير من الآثارات التاريخيّة والقيّمة، وهم يخافون من أن  تكون قد سُرقت.

وختم غشام موضّحًا أنّ المناشدة بالنّسبة له أصبحت متأخرة، إذ لم يعد هناك شيء في البلدة سوى 10 أو 15 بيتًا، ولكنّه يأمل أن تنفع في القرى الأخرى حيث لا تزال أعمال الجرف والهدم في بدايتها أو بنسبة قليلة، لذلك هم سيستمرّون بالمطالبة بوقف هذه الجريمة بحقّ الإنسانيّة التي تخطّت كلّ القوانين الدوليّة وكلّ أعراف الحرب، مؤكدًا أنّ الحراك وإن لم يؤتِ ثماره في يارون، فهو حتمًا لن يغيّب الحقيقة وسيفضح جرائم الإسرائيليّين.

من جهتها، اعتبرت عضو بلديّة يارون مريم عجاقة، ألّا كلمات تصف التّعب الذي حلّ بها وبأهل بلدتها، والقهر الذي يعيشونه عندما يسمعون أو يرون مشاهد الدّمار في بلدتهم، فهم يدققون في الصّور والفيديوهات علّهم يجدون حيطًا أو ركنًا من منازلهم، لكنهم لا يحصلون سوى على رماد أو ركام.

وأكّدت أنّ النّاس تعبوا نفسيًّا وماديًّا، فالإيجارات تلهب جيوبهم، خصوصًا أنّ غالبيتهم باتوا عاطلين عن العمل مشيرة إلى أنّه "لا يمكننا التأسيس في أماكن نزوحنا، فمستقبلنا غامض، هل نبقى، نعود أم ماذا سيحلّ بنا؟ أملنا العودة وآمالنا معلّقة بهذا الخيط الرفيع الذي مهما حاولوا قطعه لن ينجحوا، فالعودة إلى يارون ليست مجرّد إعادة بناء حجارة بالنسبة لنا، بل هي حفاظ على الهويّة والجذور والذاكرة، فهذه الأرض تحمل تاريخنا وتعب حياتنا، لذلك نشعر أنّ من حقّ يارون علينا أن نعيد بناءها ونتمسّك بها مهما كانت التّحديات، لأنّ الإنتماء للأرض يبقى أقوى من الدّمار والغياب".

وعن رأيها بسلسلة اللقاءات وإن كانت ستجدي نفعًا قالت: "نريد أن يعرف العالم بأكمله أنّ هذه البقعة الجغرافيّة هي أرض لبنانيّة، وأنّنا نريدها أن تبقى لنا، لأهلها وأصحابها الذين سيعيدون بناءها مهما طالت فترة ذلك".

أمّا عمّا تعنيه لها يارون، فاكتفت بالقول أنّ "هذه الأرض مقدّسة، فالتاريخ يؤكّد أنّ يسوع مرّ بها، من هنا هي أرض سلام ومحبّة، أرض ألفة وراحة نفسيّة، أمّا زيارة قبر أخي فهي جلّ ما أتمنّاه، أتمنّى أن تبقى المدافن بعيدة عن الجرف والهدم، لنستطيع زيارة أحبائنا فيها".

...يبقى الأمل أن تلقى صرخة أبناء يارون التي تختصر صرخة أبناء الجنوب عمومًا وقرى الحافة الأماميّة خصوصًا صداها لدى المرجعيّات السياسيّة والروحيّة والمحافل الدوليّة، علّ مرارة التهجير وقسوة الدّمار يوضع لهما حدّ.

 فالنتينا سمعان - "اخبار اليوم"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا