ما دلالات اتصال البابا المفاجئ بكهنة الجنوب اللبناني؟
يولي البابا لاوون الرابع عشر اهتمامًا خاصًا ولافتًا بمسيحيّي الجنوب اللبناني، وقد برز ذلك بوضوح منذ بداية حرب الإسناد الثانية، إذ لا يوفّر مناسبة إلا ويذكرهم أو يقدّم لهم المساعدات، تشجيعًا لهم على الصمود في قراهم وبلداتهم، رغم أن بعضها أصبح مدمّرًا واضطرّ سكّانه إلى النزوح نحو المناطق الآمنة. وقد جاءت مكالمة البابا مع كهنة البلدات والقرى الحدودية عبر الفيديو، لتتوّج هذا المسار الفاتيكاني الذي يحرص على مواكبة أوضاع المسيحيين هناك.
وتشير مصادر مقرّبة من الدوائر الفاتيكانية إلى أن أخبارًا محدّثة تصل باستمرار إلى مكتب البابا حول أوضاع المسيحيين هناك، وهي لا تخفي قلقها على مصير هؤلاء الذين يدفعون ثمن حرب لا علاقة لهم بها، لا من قريب ولا من بعيد. لذلك،
ومنذ استشهاد الأب بيار الراعي، كاهن رعية عين إبل، شعر البابا بخطورة ما يحصل هناك، فذكر الراعي في إحدى عظاته، ثم خصّص لمسيحيّي الجنوب لفتة في عيد الفصح. وتؤكّد المصادر أن البابا لم يكتفِ بالتضامن الكلامي واللفظي، بل طلب من السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا إرسال مساعدات إلى أهالي هذه القرى، ولم يقصّر بورجيا في ذلك، بل قام بزيارات متتالية إلى الجنوب، رغم الوضع الأمني المتفجّر، وحرص بنفسه على حمل المساعدات وتوزيعها بصورة عادلة.
طبعًا، هذا الحرص البابوي لاقى ترحيبًا وتفاعلًا كبيرين من المسيحيين الجنوبيين، وقد أبدى هؤلاء ارتياحهم لاهتمام البابا والسفير بورجيا. ولا يزال مسيحيو رميش وعين إبل ودبل صامدين حتى اليوم بفعل دعم الكنيسة الكاثوليكية لهم، وإرادة الصمود التي يتحلّون بها.
ورأى كاهن رعية رميش، الأب نجيب العميل، "أن السفير بورجيا أدخلنا، نحن كهنة رعايا رميش ودبل وعين إبل، إلى مجموعة عبر الهاتف، وطلب منا أن نكون حاضرين للقاء معه بين التاسعة والعاشرة صباحًا، ولم يذكر شيئًا عن البابا، بل تفاجأنا بإطلالته، وكانت نعمة وبركة". ولفت إلى أن كلمة البابا لم تتجاوز الدقيقة الواحدة، لكنها كانت كافية لإزالة المخاوف التي يشعرون بها، "لأننا كنّا لا نعلم إذا كان يجب أن نرحل أم لا، وخصوصًا أننا محاطون بالنار من كل الجهات".
الاتصال كان ضروريًا
ويؤكّد العميل "أن اتصال البابا كان ضروريًا، لأن أوضاعنا تعود إلى الوراء. صحيح أن إسرائيل لم تدخل رميش لأنها لا تشكّل نقطة مهمّة لها وأصبحت خلفها، فيما القوزح ويارون دُمِّرتا بالكامل، وليس سرًّا أن الجيش الإسرائيلي أصبح داخل دبل وعين إبل".
أما أبعاد رسالة البابا من هذا الاتصال، فتحدّث عنها سفير لبناني سابق لدى الفاتيكان، مشيرًا إلى أن النقطة الأولى هي أن البابا لاوون الرابع عشر قريب من المؤمنين التابعين لكنيسته، وهو مستعدّ للذهاب إلى أيّ مكان لمؤازرتهم وتشجيعهم. وقد أنهى منذ فترة قصيرة زيارة لافتة إلى الجزائر، وهو بلد مسلم لا يضم سوى أقلية مسيحية، إضافة إلى غينيا الاستوائية، وهي دولة فقيرة جدًا، متنقّلًا بين شوارعها وجزرها، لذلك ليس مستغربًا أن يولي اهتمامًا بمسيحيّي الجنوب اللبناني الذين يعيشون ظروفًا صعبة.
أما النقطة الثانية، فهي أن لدى البابا حساسية خاصة تجاه المجموعات المسيحية المضطهدة والمعزولة والغارقة في المعاناة، وهو الذي عاش فترة طويلة في أميركا الجنوبية واختبر حالات الفقر والعوز في الأرياف هناك، لذلك يشعر بعمق بمعاناة المسيحيين في الجنوب.
أما النقطة الثالثة، فتكمن في أن البابا لا يزال متأثرًا بحفاوة الاستقبال التي لقيها في لبنان، وقد خصّص له زيارة في جولته الأولى خارج أسوار الفاتيكان رغم المحاذير الأمنية الكثيرة. وهو بالتالي مطّلع على أوضاع المسيحيين في أكثر النقاط سخونة اليوم في لبنان، ويريد الحفاظ على وجودهم هناك، لأنه، وفق سياسة الفاتيكان، إذا خَلَا الجنوب من مسيحييه يفقد هويته اللبنانية التعددية ويصبح ذا لون واحد. لذلك يحرص البابا على أن يبقى الجنوب، ولو بالحد الأدنى، منطقة مختلطة، ولهذا طلب من السفير بورجيا أن يكون قريبًا من أهالي المناطق المسيحية الحدودية، وكانت حركته ناشطة ومثمرة وجريئة عبر تواصله الدائم مع الرعايا والأهالي هناك، وتأمين المساعدات التي تساعدهم على البقاء والصمود.
ولا ينكر السفير اللبناني السابق أن لهذه المناطق الحدودية بُعدًا معيّنًا، وربما تكون في المستقبل، إذا تحقق السلام بين لبنان وإسرائيل، صلة وصل بين الدولتين. فالمسيحيون، وفق رؤية الفاتيكان، لهم دور أساسي في التقريب بين الشعوب والدول والمجتمعات، ومن المتوقّع أن تلي هذه الحرب مرحلة ازدهار.
ولا شكّ في أن البابا لاوون، وفق السفير السابق، يُدرك أن السلام قد لا يتحقّق فورًا، إلا أن الفاتيكان يتطلّع إلى العودة، على الأقل، إلى اتفاق الهدنة المكفول من مجلس الأمن الدولي، والذي لا يزال قائمًا، ثم قد تتطوّر الأمور إلى التطبيع، وأخيرًا إلى السلام
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|