الصحافة

بين السلام والتوطين: ماذا يُكتب في هوامش المفاوضات؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في كل مرحلة إقليمية دقيقة، تعود إلى الواجهة فرضيات تقوم على منطق المقايضة: سلام مقابل أمن، اعتراف مقابل استقرار، أو تسويات سياسية مقابل مكاسب اقتصادية. وفي الحالة اللبنانية، تبرز واحدة من أكثر هذه الفرضيات حساسية:

هل يمكن أن تُطرح معادلة تقوم على مفاوضات سلام بين لبنان وإسرائيل مقابل توطين الفلسطينيين في لبنان؟

ورغم غياب أي إعلان رسمي يربط بين المسارين بشكل مباشر، إلا أن مجرد اقترانهما في النقاش العام يكفي لإثارة قلق عميق، خصوصًا في بلد تتداخل فيه الملفات السيادية مع التوازنات الداخلية الدقيقة.

هذا القلق لا يرتبط فقط بما قد يُطرح بشكل صريح، بل بطبيعة مفاوضات السلام نفسها. فعندما تُفتح طاولة التفاوض تحت عنوان كبير مثل "السلام" أو "ترتيبات ما بعد النزاع"، لا تُناقش الملفات دائمًا بشكل منفصل، بل تُدرج ضمن سلّة متكاملة تشمل الأمن والاقتصاد والحدود والملفات الإنسانية. وفي مثل هذه السلال، قد تجد قضايا حساسة طريقها إلى الاتفاق من دون أن تُقدَّم كعناوين مستقلة، بل كبنود تقنية أو إنسانية تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن جوهر الصراع. وليس هذا مجرد افتراض نظري، بل نمط تكرر في تجارب دولية.

ففي مفاوضات السلام، كثيرًا ما تُستخدم مقاربة "الحزمة الشاملة" (package deal)، حيث تُربط ملفات مختلفة ببعضها لتسهيل الوصول إلى اتفاق. ففي اتفاق دايتون للسلام الذي أنهى حرب البوسنة، كان العنوان وقف الحرب وإعادة بناء النظام السياسي، لكن الاتفاق تضمّن ترتيبات تتعلق بعودة اللاجئين وضمانات إقامتهم، ما أثّر لاحقًا على الواقع الديموغرافي. وفي اتفاق الجمعة العظيمة في ايرلندا الشمالية، جاء إنهاء النزاع تحت عنوان أمني - سياسي، لكنه شمل بنودًا تتعلق بالحقوق المدنية والمساواة القانونية، وأسهم في إعادة صياغة التوازنات الداخلية بمعنى أن الأمن كان المدخل… لكن النتيجة كانت "إعادة هندسة المجتمع سياسيًا". كذلك، في اتفاقيات كامب ديفيد، لم تقتصر النتائج على استعادة الأرض، بل شملت ترتيبات أمنية واقتصادية مفصلة لم تكن كلها في صلب الخطاب العلني الأولي.

هذا النمط التفاوضي يقوم على مبدأ واضح: "لا شيء يُحسم بمفرده، وكل شيء يُربط ضمن تسوية واحدة."

في ضوء هذه النماذج، يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحًا. فمفاوضات سلام بين لبنان وإسرائيل قد تُطرح تحت عناوين سيادية واضحة، لكن ماذا لو أُدرجت ضمنها بنود تتعلق بـ"تنظيم أوضاع اللاجئين الفلسطينيين"، أو "توسيع الحقوق المدنية"، أو "إقامات طويلة الأمد" بدعم دولي؟ هذه العناوين، رغم مشروعيتها الإنسانية، قد تكتسب معنى مختلفًا إذا جاءت ضمن صفقة شاملة، بحيث تتحول من إجراءات مرحلية إلى عناصر دائمة يصعب التراجع عنها.

ولا يمكن فصل ذلك عن عنصر الإغراءات الاقتصادية الذي غالبًا ما يرافق مثل هذه التسويات. فقد تُطرح مساهمات دولية في إعادة الإعمار، أو حزم دعم مالي، أو مشاريع استثمارية كبرى، أو تسهيلات اقتصادية، كجزء من اتفاق شامل يهدف إلى تحقيق الاستقرار. في هذا السياق، قد يُقدَّم تحسين أوضاع اللاجئين أو تثبيت وجودهم كجزء من "الحل العملي" المدعوم ماليًا، بحيث يصبح البعد الاقتصادي عامل ضغط غير مباشر يدفع نحو قبول ترتيبات كانت تُرفض سابقًا.

هنا يتشكل جوهر القلق: ليس من إعلان مباشر بكلمة "توطين"، بل من احتمال تأجيل هذا الملف إلى مرحلة لاحقة، أو إدراجه ضمن خطة شاملة أكبر تُمرَّر تحت عناوين متعددة، سياسية وإنسانية واقتصادية في آن واحد. فالمفاوضات الكبرى لا تُغلق كل الملفات دفعة واحدة، بل تعيد ترتيبها، وتربط بينها، وتفتح الباب أمام مسارات متداخلة يصعب فصلها لاحقًا.

في المقابل، يبقى الرفض اللبناني لمسألة التوطين شبه جامع، انطلاقًا من اعتبارات ديموغرافية وسيادية وقومية، يلتقي فيها اللبنانيون مع شريحة واسعة من الفلسطينيين الذين يرفضون بدورهم تحويل اللجوء إلى إقامة دائمة تنهي حق العودة. كما أن خصوصية لبنان تجعل أي تغيير سكاني مسألة سياسية بامتياز، لا مجرد ملف إنساني.

رغم ذلك، لا يمكن تجاهل أن المنطقة تتجه نحو تسويات كبرى قد تربط بين ملفات متعددة ضمن سلة واحدة، وأن الضغوط الدولية غالبًا ما تبحث عن حلول "نهائية" للنزاعات الطويلة، حتى لو جاءت عبر مسارات غير مباشرة. وهنا تحديدًا تبرز الحاجة إلى وضوح في التعاطي مع أي مفاوضات سلام، وإلى التمييز بين ما هو إنساني وما هو سياسي، لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز النيات المعلنة.

في المحصلة، قد لا تكون معادلة "السلام مقابل التوطين" مطروحة بشكل مباشر، لكن تجارب المفاوضات تُظهر أن التفاصيل قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من العناوين.

فما يُكتب في هوامش الاتفاقات اليوم، قد يتحوّل غدًا إلى واقع لا يمكن تغييره.

د. بولا أبي حنا - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا