مفاوضات بين مطرقة الضغط الخارجي وسندان الوحدة الداخلية
تُطرح في المرحلة الراهنة مسألة المفاوضات الجارية في الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل كأحد أبرز التطورات السياسية في المنطقة، نظرًا لما قد تحمله من انعكاسات مباشرة على الواقع اللبناني، في ظل مشهد داخلي يطغى عليه ضجيج سياسي وتباينات بين المسؤولين، سرعان ما انعكست على الخطاب الإعلامي وامتدّت إلى القواعد الشعبية والرأي العام.
وعلى الرغم من هذا المناخ الداخلي المتوتر، يكتسب هذا المسار أهمية إضافية في ظل الحديث عن دور فاعل للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يمنحه بُعدًا دوليًا قد يفتح المجال أمام تحقيق تقدّم ملموس في ملفات عالقة منذ سنوات.
من حيث المبدأ، لا يمكن التقليل من أهمية أي فرصة دبلوماسية تُتاح للبنان، لا سيما في ظل الأزمات المتراكمة التي يمرّ بها.
فالتفاوض يبقى الوسيلة الأكثر اعتمادًا لمعالجة النزاعات، سواء لجهة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، أو لجهة إطلاق الأسرى، أو بسط سلطة الدولة عبر انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية.
لكن مقاربة هذا المسار تفرض قدرًا عاليًا من الوعي والواقعية.
فنجاح أي مفاوضات لا تحدّده فقط طبيعة الوساطة الدولية أو حجم الضغط الخارجي، بل يتوقف إلى حدّ كبير على قدرة الدولة اللبنانية على التفاوض بصوت واحد.
فالخلل الأساسي في التجربة اللبنانية لا يكمن في غياب الفرص، بل في ضعف تحويلها إلى إنجازات، نتيجة الخلافات والتباين الداخلي الذي ينعكس مباشرة على القدرة التفاوضية ويحدّ من هامش الحركة.
وفي هذا السياق، يبرز عامل لا يمكن تجاهله، يتمثّل في وجود فريق سياسي في لبنان يمسك بقرار الحرب والسلم، ما يُصعّب إنتاج موقف وطني موحّد، وهذا ما يحدّ في الوقت نفسه من قدرة الدولة على الالتزام بتعهداتها.
لا يخسر لبنان في التفاوض بسبب ضعف أوراقه، بل بسبب تشتّت القرار الداخلي وتعدّد الجهات التي تمسك بمفاتيح القوة داخله.
وفي هذا الإطار، يبرز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري كعنصر توازن داخلي، بحكم موقعه وخبرته الطويلة في إدارة التعقيدات اللبنانية.
فالعلاقة التي تربطه بـ«حزب الله»، القائمة على مستوى عالٍ من التنسيق والثقة، تضعه في موقع قادر على لعب دور فعّال بين مراكز القرار المختلفة.
ولا تقتصر أهمية هذا الدور على إدارة التباين القائم، بل تتعداه إلى المساهمة في إنتاج حد أدنى من التماسك الداخلي.
من هنا، تبدو المقاربة الأكثر واقعية قائمة على إدارة هذا التباين بدل إنكاره، عبر حوار داخلي جدّي يهدف إلى تضييق فجوة الاختلاف، ووضع حد أدنى من التفاهمات التي تحمي الموقف اللبناني على طاولة التفاوض.
وفي هذا الإطار، يكتسب كلام مبعوث الرئيس الفرنسي جان إيف لودريان دلالته، حين أشار إلى أن «إسرائيل لم تتمكن من نزع سلاح حزب الله»، … ما يطرح سؤالًا مباشرًا: كيف يُطلب من الجيش اللبناني إنجاز ما عجزت عنه إسرائيل؟
وهو ما يكشف حدود الرهان على فرض هذا الخيار داخليًا.
لكن هذا لا يعني التسليم بالأمر الواقع، بل إدراك أن أي معالجة مستدامة لهذا الملف لا يمكن أن تتم إلا ضمن حوار داخلي توافقي، يربط بين متطلبات السيادة وضرورات الاستقرار.
ومن جهة أخرى، ينبغي التنبّه إلى أن أي اتفاق محتمل، مهما كانت طبيعته، يحتاج إلى بيئة داخلية قادرة على احتضانه، إذ إن الاتفاقات التي لا تستند إلى حد أدنى من التوافق تبقى عرضة للتعطيل أو الالتفاف.
بناءً على ذلك، تمثّل المفاوضات الحالية فرصة، لكنها في الوقت نفسه اختبار لقدرة لبنان على الانتقال من إدارة الانقسام إلى تنظيمه، بما يمنع تحويله إلى نقطة ضعف في وجه الضغوط الخارجية.
في المحصّلة، لا تُقاس قوة لبنان التفاوضية فقط بحجم الدعم الدولي، بل بقدرته على إنتاج حد أدنى من التماسك الداخلي.
وأي تسوية لا يسبقها هذا التماسك، لن تكون حلاً… بل بداية أزمة جديدة.
بقلم: دافيد عيسى، سياسي لبناني
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|