بين مفاوضات واشنطن وإسلام اباد لبنان عالق بـ "الصنارة الإيرانية"
لا شكّ في أن لبنان مقبل على أصعب مهمة سبق أن خبرها في العام 1982، وأنا شاهد على ذلك كما الكثير من زملاء مخضرمين واكبوا المحادثات الثنائية اللبنانية – الاسرائيلية بين كريات شمونة ونتانيا وخلده والضبية. أن مفاوضة عدّو معروفة أهدافه وغاياته مسبقًا وقبل البدء بأي خطوة تفاوضية هي من بين أكثر الأمور صعوبة ومشقّة، ولكنها في الوقت ذاته ليست مستحيلة، ويمكن بالتالي التوصّل إلى تسويات على طريقة "الذئب الذي لا يموت" و"الغنم الذي لا يفنى". وهذا الأمر، إذا حصل، فإن جولة اليوم ليست سوى البداية لمسار تفاوضي طويل، خصوصًا إذا استطاع الراعي الأميركي أن ينتقل من مجرد لعب دور الراعي المحايد، وإن نظريًا، إلى ممارسة ما يمكنه من ضغط على الجانب
الإسرائيلي لوقف اعتداءاته في المرحلة الأولى، على أن يلي ذلك فرض ما يمكن تسميته بـ "المونة الأميركية" لكي تخفّف تل أبيب من حدّة شروطها التعجيزية، التي سبق أن واجهها لبنان برفضها في المطلق.
وكما أن مفاوضات اسلام اباد لم تؤدِ في جولتها الأولى إلى أي تقدّم، ولو بسيط، وهذا ما كان متوقعًا، فإن الجولة التمهيدية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن ليست بداية سهلة بالنسبة إلى لبنان، الذي لا تزال بلداته وقراه الجنوبية تتعرض للقصف والتدمير، وإن كان الجانب الإسرائيلي قد تعهد للجانب الأميركي بتحييد بيروت وضاحيتها الجنوبية لفترة وجيزة.
وعلى رغم صعوبة إمكانية تحقيق أي نتيجة مرتقبة من المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب، فإن الدور الذي يمكن أن تؤدّيه واشنطن قد يساهم، ولو بعد جهد جهيد، في التوصّل إلى أي تسوية ممكنة، خصوصًا إذا ما اعتُمدت اتفاقية الهدنة، وكذلك القرار 1701 كأساس لانطلاقة صحيحة وسليمة في هذه المفاوضات.
ولكن ما هو أصعب من مفاوضة العدو هو عملية التوفيق بين اللبنانيين المنقسمين، عموديًا وأفقيًا، على مبدأ التفاوض بحدّ ذاته. فقسم من اللبنانيين، وهم على ما يبدو قلة قليلة، يرفضون ذهاب لبنان إلى مثل هكذا تفاوض، وبالأخص أن إسرائيل لا تزال تدّك البيوت فوق رؤوس قاطنيها في الجنوب والبقاع، وهي التي استباحت بيروت في يوم أربعائها الأسود والدامي. ويعتبر هذا الجزء من اللبنانيين أي تفاوض مع عدو، معروفة أهدافه وأطماعه، هو بمثابة التنازل عن السيادة الوطنية والخضوع لإملاءات واشنطن وتل أبيب، فيما يرى القسم الآخر من اللبنانيين، وهم الأكثرية، أن التفاوض هو الوسيلة الوحيدة المتاحة للبنان حاليًا لوضع حدّ لما يتعرّض له لبنان من قصف وغارات في حرب غير متكافئة فيها موازين القوى، ولم يكن لبنان الرسمي يريدها أو يسعى إليها.
لكن، وكما أن التفاوض مع عدو يعرف ماذا يريد ليس مهمة سهلة، فإن الأصعب يبقى في أن يعرف لبنان ماذا يريد، وأن يتفق أبناؤه على ذلك.
فالتاريخ اللبناني مليء بمحطات تفاوضية لم تسقط بسبب تعنّت الخارج فقط، بل بسبب الانقسام الداخلي الذي كان يُضعف الموقف التفاوضي، ويُفقد لبنان القدرة على انتزاع ما يمكن انتزاعه.
اليوم، لا يبدو المشهد مختلفًا كثيرًا. لبنان يذهب إلى واشنطن مثقلًا بانقساماته، ومحمّلًا بأسئلته أكثر من أجوبته. فبين من يرى في التفاوض ضرورة لوقف النزيف، ومن يعتبره تنازلًا تحت النار، تضيع البوصلة الوطنية التي يفترض أن تحدد الاتجاه.
المشكلة ليست في التفاوض، بل في غياب القرار الموحد. فالتفاوض من موقع الانقسام يتحول إلى تنازل، أما التفاوض من موقع الوحدة فيمكن أن يتحول إلى فرصة.
وفي ظل موازين قوى غير متكافئة، لا يملك لبنان ترف الخيارات الكثيرة. فإما أن يحسن إدارة ضعفه عبر التفاوض، وإما أن يُترك لمواجهة مفتوحة يدفع ثمنها وحده. ولهذا، قد لا تكون معركة لبنان في واشنطن فقط، انما في الداخل أولًا.
فإذا لم يتفق اللبنانيون على ما يريدونه من هذه المفاوضات، فقد ينتهي بهم الأمر إلى قبول ما يُفرض عليهم. وفي بلد لم يُحسم فيه بعد معنى السيادة، قد تتحول المفاوضات من وسيلة لإنقاذ ما تبقى من شتات إلى محطة جديدة من محطات الخسارة، التي اعتاد عليها لبنان.
وفي نهاية المطاف فإن طيف إخفاقات اسلام اباد سيكون حاضرًا في واشنطن وفي بعض أحياء بيروت، التي أصرّ "حزب الله" على تحويلها إلى منصّة رسائل طابعها إقليمي عبر تنظيمه حملة اتهامية من العيار الثقيل استهدفت رئيس الحكومة، وتلجأ إلى الشارع لتصفية حساباته معه، ما دفع قيادة الجيش إلى إصدار بيان حذّرت فيه الذين تسّول لهم نفوسهم اللعب على وتر السلم الأهلي.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|