"الأذرع" تنصر ايران لا "القضية".. مصيرها بند رئيس في "باكستان"
ليسَ دفاعاً عن نوّاف سلام
لعلّ أبرز ما يُضحك في التهم والنعوت التي تُلصَق برئيس حكومة لبنان أنّه "صهيوني". كيف يمكن لرجل أمضى فترة من عمره في صفوف "فتح" الفلسطينيّة أن يكون "صهيونياً"؟ في مثل هذه الأوقات الحرجة تتحوّل خطابات التخوين في لبنان إلى أداة تستخدمها الجماعات المنكوبة، ظناً منها أنّها يمكنُ لها أن تسعف شيئاً من سلطتها ووجودها.
في النكبات ولحظات العجز تتخذ الخلافات شكلاً من أشكال النقاش السياسي المحتدم. يبرز مع ذلك تحوّلٌ إلى منطق التنصيف بين الوطني والأخلاقي. يسيطر هذا على المشهد في اللحظة التي تفشل القوى في الإقناع، فتنتقل عملياً إلى مرحلة نزع الشرعية عن خصومها، علّها تجدُ في ذلك خلاصها.
لو دققنا أكثر، لوجدنا أنّ خطاب التخوين الذي يطفو على السطح اليوم، يرتفع في الوقت نفسه الذي تنخفض القدرات على تحقيق الإنجازات. في مثل هذه اللحظات من الانهيار والتعثّر يغدو التخوين جزءاً من سرديّة الحرب نفسها. يسبق العنف ويبرّره، ويحوّل الخصم السياسي الذي يشاطره البلد نفسه إلى مصدر تهديد وجودي.
تضخّم خطاب التخوين جزء من سيرة هذه البلاد وحروبها. يترافق الحديث عن الجبهة الجنوبيّة مع نقاشات ممتدّة تتخطّى سير الأعمال العسكريّة والجبهات، لتصل إلى تحديد وتصنيف الناس. من هو المؤيد؟ ومن هو المعترض؟ ومن هو الذي تنحّى جانباً والتزم الصّمت؟ في الأمر شيء من هرطقة تحويل الحرب إلى مادة للاتّهام.
من يقول اليوم "أنا أفاوض"، يقول ضمناً إنّه يملك القرار. وبالتالي من يملك القرار يُجابه ويواجه بحفلة توزيع صكوك الوطنية على الآخرين. لكن المشكلة لا تبدأ هنا. الخطأ الأوّل، وربما التأسيسي، كان في كلّ مرّة جرى فيها استثناء الدولة اللبنانية نفسها.
من جهةٍ أخرى، ينعكس الانفصام الإيراني مباشرة على الداخل اللبناني. انفصامٌ لا يمكنُ قراءته بوصفه سياسة خارجية. جمهورٌ يُعبَّأ على خطاب المواجهة، يقابله واقعٌ سياسيٌ يسير باتجاه التسويات. يظهر التناقض الإيراني اليوم كأحد أكثر العناصر إرباكاً. خطابٌ يترنّح بين شعار "الموت لأميركا" وفي الوقت نفسه تفاوضٌ مفتوح معها.
قطعاً لا يتوقّف الأمر عند الخارج الإيراني. داخلياً، القرارات التي تُتّخذ حتى الآن غالباً ما تمرّ عبر هذه الحكومة نفسها، وطبعاً بموافقة مكوّناتها، بمن فيهم وزراء "الثنائي". ألا يحق هنا بسؤال بديهي؟ إذا كان هذا المسار خاطئاً إلى هذا الحدّ، لماذا لم يتم إلى الآن الانسحاب من الحكومة؟ ولماذا تُمنح الثقة مرّةً بعد أخرى، إذا كانت سياساتها مرفوضة؟
مساحةٌ رماديّة كبيرة وشاسعة تبرز هنا أمامنا، تتراوح بين المشاركة والاعتراض. في هذه المساحة بالتحديد يصبح من السهل جداً اتهام الآخر بأنه يقودُ الفتنة. التهمُ جاهزة، وهي غالباً ما تستخدم لإسكات النقاش وإخماده. في مقابل هذا كلّه، يحاول خطاب رئيس الحكومة نواف سلام أن يأتي الأشياء بمقاربة مختلفة. مقاربة واضحة تقوم على إعادة الاعتبار للدولة. يصطدم هذا الخطاب بواقع معقّد ومتشنّج ومحموم. دولة بكلّ أركانها ورؤسائها تحاول أن تفاوض.
لو أردنا أن نسأل مثلاً، ما الذي تحتاجه الدولة اللبنانية لتكون قويّة، قطعاً لا تأتي القوّة من رفع السقوف، ولا من المزايدات والاتهامات المتراشقة والتخوين. الدولة القوية هي تلك التي تتحدّث بصوتٍ واحد. بعد أكثر من أربعين يوماً، تقدّمت الحكومة بشكوى. أتت الخطوة متأخّرة، لكنها أتت ومعها الدلالات. هذه محاولاتنا لاستعادة دورٍ ما للدولة قد فقد.
يبدو البلد اليوم كأنّه يقفُ في منتصف الطريق. معدوم القدرة على الحسم. معدوم القدرة على التراجع. ربما في بلدٍ مثل لبنان، أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن نختلف بل أن يصبح الاختلاف نفسه هو الواجهة والمسيطر في الحرب. هل يكفي ذلك لإقفال جبهة؟ خطابات تخوين مسيطرة وسط تناقضات إقليميّة وارتباك داخلي.
يُجيَّر النقاش السيادي إلى اختبار ولاء فارغ. من يقف ضدّ المقاومة؟ أصبح هو السؤال. عجيب! وهل يمكن لأحد أن يكون مع إسرائيل في وجه بلده العاجز بأكمله؟
هذا هو شكل النقاش السياسي اليوم. حربٌ شرسة تُخاض على الحدود، وحملات تخوين في الداخل. حملات لا تنجح حتى في تنظيم الجمهور. ولكن كيف يمكن لهذا المشهد أن لا يكون سريالياً؟ من جهة المشاركة في السلطة ومن ثانية اتهامها بالخيانة. بمعنى آخر، حكمٌ ورضا في الواقع، ومعارضة في الخطاب.
في تاريخ الدول، لا بد في المفاوضات من قرارات موحدة. ربما لأنَّ أيَّة دولة تدخل التفاوض بقرار مضعضع لا تخرج من خانة الارتباك والضعف. ربما لأنّه حين يتحوّل كلّ خلاف سياسي إلى خيانة تختفي السياسة ولا تعودُ ممكنة. والأنكى أنّ يصبح البلد نفسه في خانة "غير ممكن".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|