الصحافة

سوريا والبقاع وجهاً لوجه

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أشعل الفراغ الذي خلفه تراجع القوة المصرية بعد نكسة حزيران/يونيو 1967، وعمقته سياسات الرئيس المصري الراحل أنور السادات الانسحابية من الشؤون العربية بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر، شرارة تنافس من أجل الهيمنة على الهلال الخصيب بين عدد من القوى الطامحة في وقته: (إيران، سوريا، إسرائيل، العراق والسعودية)، في صراع ملحمي لا تزال فصوله تتوالى.

في حينه، أغرى انتهاء الحقبة الناصرية في السياسة العربية وانكفاء القاهرة على نفسها، بغداد ودمشق للمطالبة بإرث الزعامة المصرية الآفلة. 

البقاع.. منطلق الدور الإقليمي لحافظ الأسد

اقتحم الرئيس السوري حافظ الأسد المشهد اللبناني. أراد أن يشرف على "الساحة اللبنانية" كي يمنع أي تهديد لحكمه عبرها، وفي الوقت نفسه ليمهد الطريق أمام انطلاقة الدور السوري الإقليمي. منذ ذلك الحين، تحول البقاع إلى إحدى المواقع الحساسة على رقعة الشطرنج الإقليمية، واشتبكت فصول حكايته مع ذاك الوافد السوري.

باتت هذه المنطقة اللبنانية الممتدة بوداعة بين سلسلتين من الجبال، المنطلق الحصين لدور الأسد الأب في لبنان، والحاضنة للقوى المسلحة التي أنشأها، بهدف تحويلها إلى "أوراق" على طاولة صراعاته المفتوحة مع إسرائيل، العراق وتركيا وأحياناً السعودية. بنيت المخازن والمعسكرات بين القرى، وكان المشرفون على التدريب ضباط من جنسيات متعددة، إلا أن الأسد ظل دائماً محكماً قبضته على مفاتيح الوادي، رافضاً تسليمها لأي قوة مهما كانت حليفة أو صديقة.

وعلى الرغم من أن جيش الأسد خسر دفاعاته الجوية وفقد عشرات الطائرات في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، إلا أنه تمترس في البقاع. ومن هذا الحصن، عدّل الأسد، عندما تبدلت الأجواء الإقليمية والدولية، موازين القوى التي مالت بشدة ضده بعد خروج جيشه ومنظمة التحرير الفلسطينية من العاصمة اللبنانية بيروت. في كنف الحماية السورية، أقام حزب الله اللبناني بنيته التحتية في البقاع، وتحديداً في أعماق المناطق المتداخلة من الحدود والملتبسة الهوية ما بين لبنان وسوريا. بنيان الحزب العسكري أتى وفقاً للترتيب التالي: العقل التنظيمي في الضاحية الجنوبية، مراكز العمليات بين نهري الليطاني والأولي، الجبهة في الجنوب، والعمق الاستراتيجي في البقاع المفتوح على سوريا وإيران.

البقاع.. حيث عمق الحزب الاستراتيجي

قلّص هذا الترتيب قدرة إسرائيل على فك الشيفرة العسكرية لحزب الله، خصوصاً خلال اشتباكات عامي 1993 و1996، وحرب تموز 2006. وبالرغم مما تعرض له من خسائر خلال تلك الحرب، إلا أن الحزب تمكن بفضل سيطرته على وادي البقاع وتدفق الإمدادات من نظام الأسد وإيران إليه، من إعادة بناء نفسه. استنتجت إيران ونظام الأسد أن الظروف المتشكلة بعد حرب تموز تسمح لهما بنشر صواريخ بعيدة المدى في منطقة البقاع، فلم يتأخرا.

انقلبت الآية بين نظام الأسد وحزب الله مع اندلاع الثورة السورية، حيث طلب النظام مساعدة الحزب. استعمل حزب الله البقاع منطلقاً لمهمته القتالية في سوريا، حتى غاص في أقصى مجاهلها. تعويضاً عن انتقال الكتلة الأكبر من مقاتلي الحزب إلى سوريا، واضمحلال المخزونات السورية من الصواريخ، قرر حزب الله وإيران مضاعفة الرهان على ترسانة الصواريخ الموجودة في البقاع، فزادا مدياتها ودقتها، وأضافا إليها المسيرات بعيدة المدى. وفي مرحلة من المراحل، وطّنت إيران صناعة الصواريخ المخصصة لحزب الله في موقعين سوريين على الأقل (مركزي البحوث العلمية في مصياف وجمرايا).

هزيمة حزب الله أمام إسرائيل في حرب عام 2024 وخروجه من سوريا بعد سقوط نظام الأسد على يد فصائل "ردع العدوان"، أجبرتا الحزب على الانكماش بعد عقدين من التمدد الاستراتيجي. خلال هذين العقدين، مد الحزب عمقه الاستراتيجي في البقاع نحو منطقتي القلمون غربي العاصمة دمشق، والقصير بمحافظة حمص. انسحاب الحزب من سوريا، تبعه عودة خبرائه ومقاتليه من اليمن والعراق، فضلاً عن لجوء مقاتليه السوريين ومعهم قسم من بقايا جيش واستخبارات الأسد المنحلين. هؤلاء العناصر والمقاتلون تجمعوا في مساحة ضيقة من الأراضي لا تتجاوز نصف مساحة لبنان الإجمالية، مع قدرات قتالية هائلة قياساً إلى عديدهم.

نتنياهو.. يسترهن لبنان لضبط ترامب

والآن، أكثر ما يضغط على اللبنانيين وإلى حد ما السوريين حالياً، هو حراجة الموقف الإسرائيلي بعد سعي واشنطن لفتح نافذة تفاوض مع طهران؛ فبينما يستكشف الجانبان فرص عقد مفاوضات جديدة لوقف الحرب، لا يجد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أمامه من خيار سوى الانقضاض على لبنان وأخذه رهينة لمنع ترامب من التضحية بمصالح حليفته إسرائيل، إذ أن طهران ستطالب بوقف الحرب ليس فقط في إيران وإنما في لبنان، الأمر الذي يسمح لنتنياهو التلاعب بالمفاوضات بل وحتى تخريب هذه المحادثات التمهيدية.

ومع انطلاق آلة العدوان الإسرائيلي في اجتياح لبنان، عاد الحزب إلى انتشاره القتالي المجرب سابقاً والذي سمح له بالصمود في حرب تموز، حيث جبهة مرنة في جنوب الليطاني، تتصلب كلما اتجهنا نحو الشمال، خصوصاً ما بين نهري الأولي والليطاني، عوض الجبهة الصلبة في القرى الأمامية التي دمرها الجيش الإسرائيلي في حرب 2024. في هذا الانتشار يحتل وادي البقاع أهمية حاسمة بالنسبة لحزب الله ولنتيجة المعركة، إذ لا يزال يشكل عمق الحزب الاستراتيجي، على الرغم من أنه لم يعد ممراً لتدفق السلاح القادم من إيران عبر سوريا كما كان سابقاً، كما لم يعد مسار نزوح آمن للمهجرين من الحرب الغاشمة التي تشنها إسرائيل على لبنان، نحو الملاذ الآمن في سوريا.

فرصة سانحة وتهديدات وشيكة لدمشق

أما السلطة السورية، التي تتراءى لها الأخطار، تتحسس الأرض تحت أقدامها قبل أن تقدم على أي خطوة. فمخاطر اختراق الجيش الإسرائيلي البقاع الغربي للوصول إلى بنية الحزب التحتية في البقاع تبقى ماثلة، بما يمكّن إسرائيل من الإطباق بفكي كماشة على دمشق من جبل الشيخ ومن البقاع، ويمحنها موقعاً لا يبارى لفرض إملاءاتها على سوريا. إلى هذا، قد تقرر إسرائيل الالتفاف حول مواقع الحزب الحصينة ما بين نهري الليطاني والأولي عبر اختراق الأراضي السورية لتصل منها إلى معبر المصنع ومنه إلى البقاع، أو إلى معبر القلعة ومنه إلى راشيا وحاصبيا. وإلى هذه اللحظة، يحول الرفض الأميركي دون إتباع تل أبيب هذا السيناريو.

على الضفة الأخرى من خط التقسيم، تفاقم استراتيجية حزب الله وإيران حيال البقاع، الأخطار على الأمن السوري؛ فقد ملأ الحزب فراغات دفاعاته في المنطقة عبر تجنيد سوريين فروا بعد هزيمة بشار الأسد، غالبيتهم ملاحقين من قبل حكومة الشرع لكونهم من "فلول النظام". من جهة أخرى، نشرت إيران عدداً غير معروف من الصواريخ متوسطة المدى والدقيقة في كل من العراق، لبنان واليمن، بطريقة هندسية تسمح بتعظيم تأثيرها إذا ما جرى إطلاقها بتناغم مع الصواريخ الإيرانية. زرعت طهران غالبية الصواريخ المخصصة للبنان في منطقة البقاع، الأمر الذي لا يمكنها فقط من إصابة إسرائيل، بل وأيضاً تهديد المواقع الاستراتيجية ومراكز البنى التحتية في دمشق أو حمص أو طرطوس، وهو أمر لم يعد مستبعداً بعد ما فعله الحرس الثوري في الدول المطلة على الضفة الجنوبية من الخليج. ومع نشر دمشق وحدات الجيش على الحدود مع لبنان، نصبح أمام سباق من نوع خاص، بين سرعة طواقم الحزب الصاروخية في تجهيز وإطلاق الصاروخ نحو أهدافه داخل الأراضي السورية مقابل سرعة المشاة السوريين في الوصول إليهم قبل حصول عملية الإطلاق.

على أية حال، تتحسّس دمشق مخاطر الانتصار الكامل لإسرائيل على حزب الله، لكنها تخشى أيضاً أن ينقلب حزب الله، إذا ما نجح بالصمود في مواجهة إسرائيل، إلى التصعيد ضدها (أو ضد الحكومة اللبنانية) من أجل تثمير "انتصاره"، متبعاً ذلك بتوجيه صواريخه نحو دمشق لابتزازها وانتزاع تنازلات منها. ومما يزيد من تعقيد الأمور أن الحكومة اللبنانية لن تقدر على توفير ضمانة فعلية بشأن أماكن تخزين هذه الصواريخ ومدياتها، أسوة بما هو متعارف عليه في الحالات المشابهة بين الدول المتجاورة، وأن الحزب سيحيل أي مفاوضة بخصوص هذه الصواريخ إلى ملاكها الأصليين: الإيرانيين، وهؤلاء لديهم الكثير الكثير من الحسابات مع حكومة الشرع لتصفيتها، فضلاً عن القضايا العالقة بينهما. 

الأوراق السورية.. تتعزز 

رأى المسؤولون السوريون، أن الأولوية في الوقت الراهن تتمثل في تحييد الضغوط التي تمارسها إسرائيل وإيران وحزب الله على سوريا. فبينما تدفع تل أبيب دمشق والحزب إلى الاقتتال فيما بينهما وصولاً إلى تفجير لبنان برمته، وضمناً سوريا، تريد إيران وحزب الله أن يورطاها في الحرب ضد إسرائيل، وأن يجبراها على فتح الحدود أمام تدفق اللاجئين اللبنانيين نحو سوريا، والسلاح الإيراني إلى الحزب. مثل الاصطفاف خلف موقف الشرعية اللبنانية المطالب بنزع سلاح حزب الله، الأداة المتاحة للحكومة السورية لتحييد الضغوط المتعارضة. لذلك، حرص الشرع على بث التطمينات في أوساط المسؤولين اللبنانيين بأن الحشود السورية ذات طبيعة دفاعية بحتة وأنها تستهدف ضمان الأمن الداخلي في سوريا. مع ذلك تضج الكواليس بما يوحي بأن دمشق قد تعدل موقفها. في هذا السياق، بات المناخ العام أكثر قبولاً باتخاذ دمشق خطوة لمواجهة تعقيدات الحرب بين إسرائيل وحزب الله، بل أصبح احتمال التدخل العسكري السوري المحدود داخل الجانب اللبناني من الحدود، أحد الخيارات المطروحة على طاولة البحث على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وإذا ما استعرضنا الأوراق الموجودة بيد الحكومة السورية سنجد أنها تعززت بعد إعلان حزب الله الحرب على إسرائيل إسناداً لإيران. تحول الموقف الفرنسي المناوئ للشرع إلى النقيض، إذ عادت باريس إلى التعاون مع دمشق وفي ذهنها تحقيق هدفين، الأول: حماية التركيبة اللبنانية المهددة بحرب إسرائيلية لا تبقي ولا تذر، والثاني، منع واشنطن وتل أبيب من الاستفراد بلبنان ما من شأنه أن يهمش الدور الفرنسي. بدورها، استاءت بريطانيا من إطلاق حزب الله مسيرات على قواعدها في قبرص، وبات المسؤولون القبارصة المنخرطون في تحالف مع تل أبيب وأثنيا، معادي بجوهره، لأنقرة ودمشق، يرون في سوريا عاملاً يمكن اللجوء إليه لتخليص الجزيرة من التهديدات القادمة من لبنان. أما الدول العربية الخليجية، التي ذاقت الأمرين من الصواريخ والمسيرات الإيرانية المنطلقة سواء من إيران أو من العراق، فستجد في إطلاق يد الشرع لنزع ترسانة الصواريخ في البقاع، خطوة تمهيدية نحو تجريد الفصائل العراقية الولائية من صواريخها المصوبة في اتجاه دول الخليج. وهي مهمة، تبدو مصممة على مقاس السوريين. ومن نافل القول إن الأميركيين يدعمون بقوة تدخل دمشق في منطقة البقاع، بعدما اتضح أنه الخيار الأكثر واقعية لنزع الصواريخ منها والتي تشكل آخر خط دفاعي عن بقايا الدور الإيراني في بلاد الشام، إذ لن تتخلى طهران بسهولة عن نصيبها على التراب اللبناني، بعدما اتضحت فائدتها في زيادة فعالية الصواريخ المنطلقة من إيران على إسرائيل.

واقع الحرب وظلال التاريخ

وإذا كان التعامل مع أخطار الحرب الدائرة يتطلب تحركاً سورياً يمنع إسرائيل من وضع يدها على البقاع، أو حزب الله من الاستمرار في تخزين الصواريخ داخل منطقة تطل على المراكز الحيوية للدولة السورية، فإن دروس التاريخ تلقي أيضاً بظلالها على لحظة الحرب الراهنة. لقد دارت الأيام دورة كاملة منذ انحسرت الحقبة المصرية عن السياسة العربية إبان السبعينات من القرن الماضي، والآن، تقترب الحقبة الإيرانية في بلاد الشام من الأفول لتصبح أثراً بعد عين، الأمر الذي ينذر بتشكل فراغ لا بد من ملئه. يتزامن الفراغ مع تحدي زيادة طوق الأمان حول العاصمة دمشق، وتفكيك مخططات حزب الله وإيران الرامية إلى زعزعة استقرار وسط سوريا والساحل، بما يسمح للشرع بإرساء إعادة إعمار سوريا على أسس متينة، وتوفير الاستقرار اللازم لتحويل بلاده إلى ممر تجاري يربط المتوسط بالخليج.

لذلك، فإن الشرع بوقوفه خلف الموقف اللبناني الرسمي المنادي بنزع سلاح حزب الله، تمكن من تنفيس ضغوط تل أبيب وحزب الله عليه، إلا أن مناورته ستكسبه وقتاً محدوداً للغاية، بينما تدنو لحظة اتخاذ القرار. 

أنس وهيب الكردي -المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا