"حزب الله" فتح حربًا لا يملك مفتاح الخروج منها
بعد إعلان الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم إصراره على الاستمرار في مقاومة عدو لا حدود لإجرامه في حقّ "البيئة الحاضنة" لـ "الحزب أولًا، وفي حقّ
لبنان أولًا وثانيًا وثالثًا، يستنج المستنتجون بأن الحرب، التي لا تشبه سابقاتها، من حيث قوة عصف القتل والدمار، طويلة جدًا من دون أن تلوح في أفق المبادرات الخجولة أي بوادر للجم العدوان الإسرائيلي والحدّ من الردّ الصاروخي من قبل "المقاومة الإسلامية".
فالشيخ نعيم قاسم يعرف قبل غيره، على رغم أن البعض وصف كلامه الأخير في "يوم القدس" بأنه انفصام واضح عن الواقع المرير، الذي تعيشه بيئته المشرّدة في الطرقات والمدارس، والمستهدفة بعناصرها الحزبية حيثما وجدت، أن موقع "حزب الله" لم يعد في المعادلتين اللبنانية الداخلية والإقليمية كما كان في السنوات السابقة، حين كان هامش حركته أوسع بكثير على المستويين الداخلي والخارجي.
فـ "الحزب" يجد نفسه اليوم أمام شبكة متشابكة من الضغوط، بعضها يأتي من الداخل اللبناني، وبعضها الآخر من خارج الحدود، وتحديدًا من ساحات الصراع الإقليمي المفتوح.
فعلى المستوى الداخلي، يواجه "الحزب" واقعًا مختلفًا عمّا كان عليه بعد حرب تموز عام 2006. فالانهيار الاقتصادي الذي أصاب لبنان منذ العام 2019 غيّر أولويات اللبنانيين، الذين باتت هواجسهم اليومية مرتبطة بالمعيشة والاستقرار أكثر من أي اعتبارات أخرى.
وفي هذا المناخ، ارتفعت الأصوات السياسية والشعبية التي تطرح سؤالًا جوهريًا حول كلفة أي مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، وحول مدى قدرة لبنان، الدولة والمجتمع، على تحمّل تبعات حرب مدمّرة في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق.
أما على المستوى الخارجي، فإن "الحزب" يواجه ضغطًا متزايدًا مرتبطًا بالدور الإقليمي الذي يؤديه ضمن الاستراتيجية التي تقودها إيران عبر الحرس الثوري الإيراني. فالجبهة اللبنانية لم تعد تُقرأ فقط في إطار الصراع التقليدي مع إسرائيل، بل أصبحت جزءًا من شبكة أوسع من المواجهات التي تمتد من غزة إلى سوريا والعراق وصولًا إلى الخليج.
وبين هذين المستويين، الداخلي والخارجي، يجد الحزب نفسه أمام معادلة دقيقة. فهو من جهة لا يستطيع التراجع عن موقعه كقوة عسكرية أساسية في محور المواجهة مع إسرائيل، ومن جهة أخرى يدرك أن أي تصعيد كبير قد يضعه في مواجهة ضغط داخلي لبناني متزايد، في وقت يمر فيه البلد بأضعف مراحله سياسيًا واقتصاديًا.
ومن هنا، تبدو حركة "حزب الله" في المرحلة الحالية محكومة بمنطق إدارة التوازن بين هذين الضغطين: الحفاظ على دوره الإقليمي المتراجع بفعل ما تتعرّض له ايران حاليًا من حرب مفتوحة من جهة، ومراعاة الواقع اللبناني الداخلي من دون التخلي عن معادلة الردع التي بناها خلال السنوات الماضية من جهة ثانية.
ويبقى السؤال الأكثر حضورًا في النقاش اللبناني اليوم يتمحور حول الأسباب التي تجعل "حزب الله" مصرًّا أكثر من أي وقت مضى على مواصلة الحرب على رغم معرفته بكلفتها البشرية والمادية الهائلة.
الجواب، وفق معظم القراءات السياسية، لا يرتبط فقط بحسابات الداخل اللبناني، بل يتجاوزها إلى الحسابات الإقليمية الأوسع التي تديرها إيران عبر الحرس الثوري الإيراني. فبالنسبة إلى هذا المحور، لا تُقرأ
الجبهة اللبنانية بمعزل عن مجمل الصراع مع إسرائيل، بل كجزء من استراتيجية تقوم على استنزافها ومنعها من فرض معادلات جديدة في المنطقة.
ومن هنا يبدو أن قرار الاستمرار في المواجهة لا تحكمه فقط موازين القوى داخل لبنان، بل أيضًا حسابات إقليمية ترى في هذه الحرب جزءًا من معركة أكبر لم تتضح نهاياتها بعد.
غير أن السؤال الثاني، الذي يفرض نفسه بقوة في الداخل اللبناني لم يعد فقط لماذا تستمر الحرب، بل من يملك أصلًا قرار استمرارها أو وقفها. فالمواجهة الدائرة على الجبهة الجنوبية أظهرت مرة جديدة أن قرار الحرب والسلم لا يزال خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، وأن "حزب الله" يتعامل مع هذه المعركة باعتبارها جزءًا من صراع إقليمي أوسع تديره إيران عبر الحرس الثوري الإيراني.
وفي ظل هذا الواقع، يجد لبنان نفسه مرة أخرى ساحة مفتوحة لحسابات تتجاوز حدوده، فيما تقف الدولة عاجزة عن التأثير في مسار الأحداث. وبين منطق الدولة ومنطق المحاور الإقليمية، يبقى اللبنانيون أمام معادلة قاسية، وهي مرّة بقدر قساوتها: حرب تُدار فوق أرضهم، وقرار لا يملكون القدرة على تغييره.
فالحرب الدائرة على الجبهة الجنوبية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين إسرائيل و"حزب الله"، بل تحوّلت إلى جزء من صراع إقليمي أوسع تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى في المنطقة.
وفي هذا المشهد المعقّد، يبدو لبنان الحلقة الأضعف، حيث تتقدم الحسابات العسكرية والاستراتيجية على حسابات الدولة ومصالح اللبنانيين. فكلما طال أمد المواجهة، ازداد خطر تحوّل الجنوب إلى ساحة استنزاف مفتوحة، فيما يبقى السؤال الكبير معلّقًا من دون جواب واضح: هل يستطيع لبنان يومًا أن يستعيد قراره السيادي الكامل، أم أنه سيبقى أسير صراعات تتجاوز قدرته على الاحتمال؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|