حذارِ الاستمرار بما "يسهّل" لإسرائيل مخططاتها!
تنحو التقارير الديبلوماسية والعسكرية التي تحاكي تطوُّر الأحداث، إلى مزيد من التصعيد، وخصوصاً إن نفّذت إسرائيل تهديداتها بتوسيع نطاق عملياتها لتطال منشآت عامة، ولتشمل بيئة «حزب الله» اللصيقة، في إشارة إلى تلك التي استهدفت مناطق لم تخطر على بال أحد. لكن ما هو أخطر بكثير في استهداف جسر طيرفلسيه - الزرارية على نهر الليطاني بهدف عزل الجنوب عن البقاع، في انتظار التثبُّت إن كانت الضربة يتيمة؟
ليس بقدرة متتبّعي الأحداث الإحاطة بكل ما يجري على الساحتَين الإقليمية والدولية بعد الساحة الداخلية وحجم الإلتباس المحيط بمواقف بعض المسؤولين الرسميِّين، الذين أعاقوا التوافق اللبناني الرسمي والشعبي المفقود قبل وبعد أن أطلق رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مبادرته بنقاطها الـ4، مع التشديد على التلازم في ما بينها منعاً لتقديم إحدى فقراتها التي لا تحظى بالإجماع على الأخرى، على خلفية توليد «سلّة متكاملة» يمكن أن تُشكّل خرقاً في الجمود الحاصل، ونواة مقبولة بالحدّ الأدنى لإطلاق المفاوضات المقبلة التي يمكن أن تقود إلى أي تفاهم يشكّل غاية لكل هذه الخطوات.
وبعيداً من الجدل القائم حول المبادرة الأخيرة للرئيس عون، التي حظِيَت بإجماع لبناني واسع، لم يخرقه سوى سَيل من الملاحظات من قِبل «الثنائي الشيعي»، مع التمايز الحاصل بين موقفَي طرفَيه «أمل» و«حزب الله»، وهو ما تُعبّر عنه اللغة المعتمدة والمعادلات المختلفة، بين مَن يدعو إلى الإنتظار في تحديد موقفه إلى حين «الإنقلاب المرتقب» في المواجهة المفتوحة بين إيران وأعدائها، على رغم من استحالة الوصول إلى هذه المرحلة، بفعل الفوارق الهائلة في القدرات العسكرية والسياسية والديبلوماسية القائمة، التي لا مجال للمقارنة في ما بينها، وخصوصاً إن صحّت توقّعات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يوحي من وقت لآخر، تارة بقرب «استسلام إيران»، بعد فقدانها معظم قدراتها العسكرية، ولا سيما البحرية منها كما الجوية، وتراجع قدرتها على إطلاق الصواريخ البعيدة المدى بالزخم السابق، على وقع التقارير التي تحدّثت عن تدمير مئات المنصات الصاروخية، من دون تجاهل ما تسرَّب عن مضمون «المفاوضات السرّية» التي تعكس ما يجري في مواقع ديبلوماسية منذ اللحظة الأولى للحرب، وهي آلية غير مستغربة قياساً على تجارب سابقة تحاكي أحداثاً مماثلة.
على هذه الخلفيات، تلاقى مضمون بعض التقارير الديبلوماسية وما نقله بعض الأصدقاء إلى المسؤولين اللبنانيِّين، مع التحذير ممّا هو آتٍ من تطوُّرات لا يحتمّلها البلد المنهَك أصلاً، قبل «حرب الإسناد» الأخيرة التي اقتيد إليها نصرة لإيران. ولذلك، لا بُدّ من قرارات استثنائية جريئة تضع حداً لكل ما يجري وما يمكن أن يؤدّي إلى توسع بنك الأهداف الإسرائيلي في اتجاه مناطق حساسة، وما يمكن أن تتسبّب به من مظاهر الفتنة المذهبية التي تسعى إلى تذكِيتها بما تمتلكه من وسائل تقود إلى هذا الواقع الإنساني والاجتماعي والاقتصادي الخطير. وخصوصاً إن لم يتسع لبنان لمزيد من النازحين في أرضهم بعد تمدُّد رقعة «الإخلاء القسري» بالحديد والدم والنار.
عدا عن الحملة الدعائية التي باشرت بها من خلال منشورات ألقتها «وحدة الاستخبارات البشرية» في أجواء بيروت ومناطق مختلفة، وحمّلت فيها كل اللبنانيِّين من أعلى هرم المسؤولية إلى آخر مواطن أينما وجد، مسؤولية ما آلت إليه اعتداءاتها و«فقدان المزيد من الأراضي»، لا يمكن مواجهتها بغير الإسراع بعملية «حصر السلاح» غير الشرعي بالجيش والقوى الأمنية، بعيداً من الشعارات الفضفاضة التي تحاكي العواطف ويرفضها العقل والمنطق، ولم يُثبِت إمكان ترجمة أي منها على الإطلاق.
على هذه الخلفيات، عبّرت المراجع المعنية عن قلقها من تردُّد أكثرية اللبنانيِّين في مصارحة فئة لبنانية قرّرت المضي في خطوات «انتحارية» استجرّت الويلات على البلد بكامله، بطريقة عبّرت عنها الغارات الإسرائيلية التي كشفت عن حجم بنك المعلومات الموضوع بتصرُّفها، التي قد لا تنضب، سواء من خلال استهداف شخصيات ربما بعضها من الصفَّين الثاني والثالث، بعدما حصدت ما حصدته من قادة الصف الأول. وإلى أن تظهر نتائج الحملات الديبلوماسية والسياسية التي قادها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزارة الخارجية، لا يبدو أنّ في الأفق ما يُبشّر بأي خطوة إيجابية تضع حداً لما يسمح لإسرائيل باستكمال مشاريعها بسهولة. وقد بدأت تطل بقرنها من خلال ضرب الجسور التي تربط مناطق الجنوب ببعضها البعض ومع البقاع، في وقتٍ لم تتوقف فيه الضربات المتفرّقة، وهو ما ينذر بالتمهيد لعمليات برية تتجاهل الصدام مع الجيش و«اليونيفيل».
وتنتهي المراجع الديبلوماسية إلى القول، إنّ الحديث عن هذه الصورة السوداوية، لم يكن بهدف زرع المزيد من الرعب في نفوس اللبنانيِّين، إنّما هو «التحذير الأخير» إن بقِيَت الأمور على ما هي عليه، من ربط مُميت بين ما يجري في لبنان وإيران، بعدما تبيّن أنّ ساحته الوحيدة ما زالت على الوعد بـ«وحدة الساحات» على رغم من الفوارق الهائلة بين ما يمكن أن تتحمّله إيران، وما يتحمّله الوطن الصغير. فهو لم يصل بكل المعايير، بما هو متوفّر من قدرات المواجهة في طهران وحدها. وإنّ أي أمل بإشراك مَن يقود الحرب في لبنان على طاولة المفاوضات الكبرى مجرّد حُلم. فالظروف تغيّرت لا بل انقلبت رأساً على عقب. وما كان قائماً قبل تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 لم يعُد قائماً. وإن في لبنان اليوم رئيساً للجمهورية ورئيساً للحكومة، وتحرّرت السلطتَان الإجرائية والتنفيذية من أعباء كثيرة ألقِيَت على عاتقها سابقاً. وعلى مَن لا يعترف بهذا الواقع أن يبدأ احتسابها قبل فوات الأوان. واليوم أفضل من الغد.
جورج شاهين - الجمهورية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|