النزوح في صيدا: مراكز الايواء تمتلىء.. والمدينة تواجه اختبارا انسانيا صعبا
العدو يكثّف ضغطه على بيئة المقاومة: عقاب جماعي في الجنوب والضاحية والبقاع
تعكس موجة الإنذارات الإسرائيلية المتتالية لإخلاء مناطق واسعة في لبنان انتقالاً واضحاً نحو سياسة ضغط شاملة تقوم على التهويل والعقاب الجماعي، بهدف ممارسة ضغط مباشر على الدولة اللبنانية وبيئة حزب الله.
فإفراغ الضاحية الجنوبية لبيروت، وتوسيع دائرة الإنذارات لتشمل بلدات بقاعية كبرى مثل دورس ومجدلون وبريتال، بعد قرى شمالي الليطاني، يندرج في سياق دفع السكان إلى نزوح جماعي واسع، وهو ما أكّده الإعلام العبري فور صدور تحذيرات إخلاء الضاحية.
بهذا المعنى، تتجاوز المقاربة الإسرائيلية إطار العمليات العسكرية التقليدية إلى محاولة فرض واقع نزوح واسع يربك الداخل اللبناني، على نحو يشبه ما حدث في قطاع غزة. ويقوم هذا الضغط على مسارين متوازيين: الأول تضخيم كلفة الحرب داخلياً لإبراز عجز الدولة اللبنانية، والثاني تحميل البيئة الاجتماعية لحزب الله العبء الأكبر من النزوح والدمار بهدف تأليب الرأي العام على المقاومة. ويتفاقم أثر هذا الضغط مع غياب خطة حكومية فعليّة لإدارة النزوح وتأمين الحد الأدنى من الاستجابة الإنسانية، ما يترك آلاف المدنيين في العراء، فيما يقتصر دور الدولة حتى الآن على مقاربة أقرب إلى «عدّ النازحين».
في سياق سياسات التهويل، لوّح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بتحويل الضاحية الجنوبية إلى خان يونس، فيما تكرّرت في الإعلام العبري التهديدات بالتحضير لتصعيد إضافي. وتحدّثت القناة 14 عن خطّة لهدم عشرات المباني في الضاحية ضمن «بنك أهداف» واسع، بينما أعلنت الجبهة الداخلية الإسرائيلية أن غارات جوية مكثّفة ستستهدف بنى تحتية مرتبطة بحزب الله.
وعلى الجبهة الجنوبية، أشارت القناة 15 إلى استعداد الجيش الإسرائيلي لإدخال كتائب إضافية إلى مواقع أعمق وتعزيز انتشاره في عشر نقاط استراتيجية، في مؤشر إلى أن التصعيد قد يتجاوز الضربات الجوية نحو توسيع الحضور العسكري على خطوط التّماس.
في المحصّلة، يتّضح أن العدو يعمل على تكريس استراتيجية ضغط متعددة المستويات: عسكرية عبر الغارات والإنذارات، ونفسية عبر التهديد بتدمير مناطق بأكملها، وسياسية عبر محاولة دفع الدولة اللبنانية إلى مواجهة تداعيات اجتماعية وإنسانية متفاقمة، خصوصاً أنّ الإسرائيليين وجدوا في هذه الدّولة لقمة سائغة بعدما سارعت إلى رفع راية الاستسلام حتّى قبل بدء المعركة.
مشهد قاسٍ في الضاحية
وعليه، كان مشهد الضاحية الجنوبية أمس الأكثر قسوة، ويشبه إلى حدّ بعيد الأجواء التي سادت قرى الجنوب التي غادرها الأهالي فجر الأحد مع بدء العدوان الإسرائيلي بعدما أصبحت الضاحية برمّتها في عين عاصفة التهديد. إذ لم يكتفِ العدو، على عادته، بإنذار مبنى أو حيّ محدّد، بل وجّه بعد الظهر إنذاراً شاملاً شمل حارة حريك وبرج البراجنة والشياح وصولاً إلى الحدث، في خطوة غير مسبوقة، بلغ بها حدّ توجيه الأهالي إلى مسارات النزوح نحو جبل لبنان أو طرابلس، محذّراً من التوجّه جنوباً.
وأشاع هذا التهديد الواسع حالاً من الهلع والفوضى في الضاحية، حيث سارع الأهالي إلى مغادرتها، إضافة إلى سكان مخيم برج البراجنة، في مشهد غير مسبوق تسبّب بزحمة سير خانقة عند مداخل العاصمة ومخارجها، وصلت في بعض المناطق إلى حدّ توقّف السير بالكامل، وسط غياب شبه كامل للقوى الأمنية قبل أن تعود وتفعّل حضورها لاحقاً في الشوارع الداخلية. ومع اشتداد الازدحام، اختار بعض الأهالي حمل ما تيسّر من أمتعتهم والنزوح سيراً على الأقدام. ولم يجدْ كثيرون ممّن غادروا منازلهم أي مأوى، فافترشوا الطرقات في ظلّ غياب وسائل التدفئة والخدمات الأساسية، علماً أن معظمهم غادروا منازلهم قبيل الإفطار.
حركة الطيران عاديّة
وفي سياق متصل، سرت شائعات عن توقّف حركة الطيران من وإلى مطار بيروت، خصوصاً بعدما أشار موقع المطار إلى إلغاء كافة الرحلات التي كانت على جدول الطيران. وهو ما دفع بوزير الأشغال العامّة والنقل، فايز رسامني، إلى نفي الأمر، مؤكّداً أنّ «المطار يعمل بشكلٍ عادي، وكذلك حركة الطيران ولم يتم إلغاء أي رحلة، رغم مغادرة بعض الموظفين للاطمئنان على أهاليهم في المناطق المُهدّدة». كما جال رئيس مجلس إدارة شركة «طيران الشرق الأوسط»، محمد الحوت، في المطار، وأكد أن الحركة طبيعية في أقسامه.
العدو يهدّد المستشفيات: الإخلاء أو الإبادة
في إطار تهديد الضاحية الجنوبية والضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة، شنّ العدو الإسرائيلي أمس حملة تهديدات استهدفت مستشفيات المنطقة، مطالباً بإخلائها فوراً وإخراجها من الخدمة، في انتهاك واضح للقانون الدولي الذي يفرض حماية المؤسسات الصحية في جميع الأوقات (المادة 18 من اتفاقية جنيف).
وبعد الإنذار العام الذي وُجه إلى سكان الضاحية، تلقت مستشفيات الرسول الأعظم وبهمن والساحل اتصالات مباشرة من العدو تطلب الإخلاء «بلهجة قاسية وآمرة»، بحسب مدير مستشفى الساحل الدكتور مازن علامة، مشيراً إلى أن المستشفى تلقّى ثلاثة إنذارات: «إنذارين مسجّلين وثالثاً عبر اتصال مباشر يطالب بالإخلاء الفوري». وعلى الفور أُبلغت وزارة الصحة ومخابرات الجيش، وبدأت عملية إخلاء 37 مريضاً، من بينهم ستة من مرضى العناية الفائقة تولّى الصليب الأحمر اللبناني إجلاءهم إلى مستشفيات أخرى. وعند الثامنة مساءً، أُخلي المستشفى بالكامل وأُعلن إقفاله التام. إذ «لم يكن لدينا خيار آخر، خصوصاً أن تجربة غزة ماثلة أمامنا، ولن أتخذ قراراً يعرّض حياة المرضى إلى الخطر»، يقول علامة.
كذلك أجلى مستشفى بهمن المرضى بعد تعرّض محيطه لقصف عنيف أول أمس. وعملت الإدارة بالتنسيق مع وزارة الصحة، على نقل المرضى تباعاً، وبقي حتى ساعات الليل ستة مرضى من أصل 23 كانوا في المستشفى، «يجري العمل على نقلهم إلى مستشفيات أخرى»، وفق المدير الطبي الدكتور حسن نصار. فيما لم يُحسم ما إذا كان قسم الطوارئ سيبقى مفتوحاً، «بانتظار قرار وزارة الصحة».
في المقابل، قرّر مستشفى الرسول الأعظم الذي تلقى إنذاراً بالإخلاء والإقفال البقاء «في خدمة الجرحى»، كما يؤكد مديره الدكتور حسين شقير، لافتاً إلى اتصالات مع المستشفيات القادرة على استقبال المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة، ويُقدَّر عددهم بنحو 70، بينهم مرضى العناية الفائقة وعناية الأطفال وحديثي الولادة ومرضى ما بعد عمليات القلب المفتوح.
وبموازاة نقل الحالات الحساسة، اتخذت إدارة المستشفى قراراً نهائياً بالإبقاء على قسمي الطوارئ والعمليات مفتوحين لاستقبال الجرحى والمصابين. ويؤكد شقير أن هذا الخيار «حاسم»، وهو نفسه الذي تمسّك به المستشفى خلال الحرب السابقة رغم شدة الاعتداءات التي طاولت الضاحية الجنوبية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|