نحو المجهول: من هم مقاتلو بوتين العرب؟
تشهد البنية العسكرية الدولية في العقد الراهن انقلاباً نوعياً يعيد تعريف أدوات الحرب نفسها، مع عودة "المرتزقة" لا بوصفهم هامشاً خارج النظام، بل كجزء مُمأسس داخل الجيوش النظامية. في الحرب الروسية-الأوكرانية، لا يبدو استقطاب مقاتلين من شرق المتوسط وشمال أفريقيا مجرد خيار تكتيكي عابر، بل سياسة واعية لتقليل النزيف البشري الروسي وتحييد الكلفة السياسية لتعبئة داخلية شاملة قد تهدد تماسك المجتمع. هذا المسار يكشف من جهة عن أزمة بنيوية في القدرة الروسية على إدارة حرب طويلة، ومن جهة أخرى عن منطق براغماتي بارد يحوّل الهشاشة الاقتصادية والسياسية في دول مثل سوريا وليبيا والسودان واليمن ومصر إلى خزان بشري مفتوح، يُساق شبابه إلى حرب لا تجمعهم بها رابطة وطنية ولا أفق أيديولوجية، سوى منطق الحاجة والنجاة الفردية.
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع تحقيق هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" المعنون بـ"نحو المجهول: مقاتلو بوتين العرب" بوصفه كشفاً صحافياً فحسب، بل باعتباره مدخلاً تحليلياً لفهم اقتصاد خفي للحرب. التحقيق يعرّي شبكات تضليل واتجار بالبشر ترتبط بشكل مباشر ببنى الدولة الروسية، وتعمل عبر وعود عمل في البناء أو الأمن قبل أن تُقذف بالمجندين إلى خطوط الاشتباك الأمامية. ما يظهر هنا هو منظومة متكاملة: تجنيد رقمي عابر للحدود، تشريعات روسية مُفصّلة لتطبيع الاستقدام الأجنبي، وسياقات محلية مأزومة في الدول المُصدّرة للمقاتلين. هذه العناصر مجتمعة تكشف عن تشكّل "سوق عالمية للقوة" تُفرغ مفاهيم السيادة والمواطنة من مضمونها، وتعيد صياغتها وفق منطق الحرب والطلب العسكري في القرن الحادي والعشرين.
شبكات الاستدراج في تحقيق "نحو المجهول"
كشف تحقيق "بي بي سي" عن منظومة تجنيد متكاملة تتجاوز مجرد الإعلانات الرسمية، لتصبح شبكة رقمية تمتد من منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات القتال في أوكرانيا، حيث تتحول التكنولوجيا إلى "السمسار" الذي يسهل انتقال الشباب عبر القارات. لم يعد التجنيد عملية رسمية فحسب، بل تحوّل إلى عنكبوت من السماسرة والشركات الأمنية والمنصات الرقمية التي تمارس التضليل المنهجي عبر تطبيقات مثل "تيليغرام" و"واتساب". قنوات مثل "صديق روسيا" (Drug Rossii)، التي تديرها شخصيات مثل "بولينا ألكساندروفنا" (المعروفة أيضاً بـ "بولينا أزارنيخ")، تقدم صورة براقة لروسيا، وتستعرض مجندين يحملون جوازات سفر روسية حديثة ومبالغ مالية كبيرة لإغراء المترددين، كأنها مسرحية بصرية تخفي الواقع القاسي وراء الكواليس.
تستند هذه الاستراتيجية إلى فجوة صارخة بين الوعود والواقع الميداني. فالشباب يتم إغراءهم برواتب تتراوح بين 2000 و3500 دولار مع وعود بمنح الجنسية الروسية لهم ولعائلاتهم خلال ثلاثة أشهر، إلا أنهم يواجهون عند الوصول واقعاً مختلفاً تماماً. البداية دائماً هي الوهم بأن العمل سيكون في "أعمال مدنية" مثل البناء أو حراسة المنشآت، لكن بمجرد وصولهم يُجبرون على توقيع عقود عسكرية باللغة الروسية من دون مترجمين أو حتى اتصال بالانترنت لاستخدام تطبيقات الترجمة، كما حدث مع السائق الأردني رائد حماد الذي وقّع عقداً من 17 صفحة لم يفهم منها شيئاً. هذا الخداع يمتد إلى الرواتب، إذ يتم اقتطاع أجزاء كبيرة منها لصالح السماسرة أو تأخير دفعها، ويُحرم المجند من حقه في التراجع تحت تهديد السجن بتهمة الهروب.
تعكس شهادات الأهالي في تحقيق "نحو المجهول" حجم المأساة الإنسانية الناتجة عن هذا الخداع. تقول شفيعة، والدة المجند اليمني خليل: "كان طموحه فقط أن يساعد عائلته، أخبروه أنها وظيفة في البناء براتب ممتاز". أما خليل نفسه، فقد أرسل رسالة استغاثة من الخنادق تقول: "يمَّا أنا غلطت أكبر غلط وسامحوني.. كل ما أفكر بوضعي الحالي أقول مالي إلا دعوات أمي وأبي". هذه الاقتباسات توضح أن الدافع لم يكن القتال من أجل مبدأ، بل كان "اليأس الاقتصادي" المحرك الأساسي، حيث استهدفت الشبكات الروسية "الآباء اليائسين" والشباب المحاصرين بانسداد الأفق في أوطانهم الأصلية.
جغرافيا التجنيد: مسارات الاستغلال من سوريا إلى مصر
تتعدد مسارات التجنيد وتختلف بحسب السياق السياسي لكل دولة، لكنها تتقاطع جميعها في تحويل المهمشين إلى "مورد بشري" رخيص. في سوريا، تحوّل الارتزاق إلى آلية شبه رسمية، حيث تلعب "الفرقة 25 مهام خاصة" (قوات النمر) دوراً محورياً في نقل المقاتلين عبر مطار حميميم إلى روسيا ثم أوكرانيا. الانهيار الاقتصادي في مناطق مثل السويداء دفع المئات للتوقيع مع شركات أمنية روسية، كما حصل مع المزارع وحيد مرسل الشبلي، الذي قُتل في أيلول/سبتمبر 2024 في ما وُصف بـ"هجوم مفرمة اللحم"، بعدما أغري براتب و"تأشيرة عمل" ليجد نفسه فجأة في الخطوط الأمامية في لوهانسك.
في اليمن، كشفت التحقيقات عن شبكات مرتبطة بجماعة الحوثي، مثل "شركة الجابري"، تسهّل نقل مئات اليمنيين تحت غطاء عقود تجارية وهمية. وبمجرد وصولهم إلى موسكو بفيزا سياحية، يتم تسليمهم لعسكريين روس يُنقلونهم لمعسكرات في سيبيريا. أما في السودان، فقد استغل السماسرة الحرب الأهلية والفقر المدقع، حيث خيّر المهاجرون الذين انتهت تأشيراتهم بين العودة إلى وطن غارق في الدماء أو الانضمام للجيش الروسي. يصف المجند السوداني عبد الله دوافعه قائلاً: "لم أكن أبحث عن المجد، كنت أبحث عن حياة كريمة لعائلتي.. والدي بحاجة لعلاج وأسرتي تمر بضائقة شديدة". وتشير التقارير إلى أن نسبة النجاة لهؤلاء لا تتعدى 15%، إذ يُدفعون كمشاة في الموجات الأولى للهجمات.
في ليبيا ومصر، أخذ التجنيد أشكالاً مختلفة وأكثر مكراً؛ ففي ليبيا، تم "تدوير" المقاتلين، إذ سحبت روسيا مئات عناصر فاغنر والمجندين السوريين الذين كانوا يحرسون المنشآت النفطية في شرق ليبيا (بتنسيق مع قوات حفتر) ونقلتهم إلى جبهة دونباس، ما قلّص عدد مقاتلي فاغنر هناك من 2200 مقاتل قبل 2022 إلى نحو 900 مقاتل فقط، مع تركيز القوة المتبقية على المهام الاستراتيجية وإرسال العناصر القتالية لأوكرانيا. أما في مصر، فقد ظهر ما يمكن تسميته بـ"فخ الطلاب"، حيث استُغل الطلاب المتعثرون مالياً أو من أُلغيت تأشيراتهم الدراسية، مثل الطالب محمد من محافظة قنا، الذي فُصل من جامعته وأُغري بالجنسية والمال للخروج من السجن، ليجد نفسه في النهاية أسيراً يصف نفسه في رسائله لوالدته بأنه "رهينة" لا يملك من أمره شيئاً.
التبعات الجيوسياسية ومأسسة الارتزاق
إن لجوء روسيا لتجنيد الأجانب لا يُفهم بوصفه مجرد حاجة عددية، بل كاستراتيجية سياسية دقيقة تهدف لتخفيف التكلفة الاجتماعية للحرب داخل المدن الروسية الكبرى مثل موسكو وسانت بطرسبرغ، بالاعتماد على الأجانب والأقليات العرقية من المناطق الروسية الفقيرة، يتجنب الكرملين إثارة غضب الطبقة الوسطى، فمقتل جندي من السويداء أو صنعاء لا يولّد قلاقل داخلية، ولا تُلزَم الدولة بتعويضات كبيرة لأسرهم، وغالبا ما يُصنفون كـ"مفقودين" لتفادي الالتزامات المالية. هذا النمط يعكس ما يُعرف بـ"الاستعمار الداخلي"، حيث يُلقى عبء "العمل القذر" على الفقراء والمهمشين بينما تبقى النخبة بعيدة عن الخطوط الأمامية.
على المستوى القانوني، استغلت روسيا المراسيم الرئاسية (مثل المرسوم رقم 821 لعام 2024 والمرسوم رقم 10) للتحايل على القانون الدولي الذي يجرم المرتزقة. من خلال منح هؤلاء المقاتلين الجنسية الروسية في غضون أشهر، تحوّل المرتزق من "أجنبي" إلى "مواطن روسي" يؤدي واجبه العسكري، ما يمنح موسكو غطاءً قانونياً أمام المجتمع الدولي. لكن هذا "التجنيس السريع" لا يهدف لحماية المجند، بل لربطه بعقود طويلة الأمد تجعل أي استقالة أو هروب جريمة يعاقب عليها القانون الروسي بالسجن المشدد.
يترك هذا التجنيد المنظم آثاراً بعيدة المدى على الأمن الإقليمي والدولي. الناجون، إن نجوا، يعودون إلى أوطانهم بخبرات قتالية متقدمة في تقنيات المسيرات وحرب العصابات الإلكترونية، ليصبحوا جيشاً من "المرتزقة التكنولوجيين" جاهزاً للاستثمار في صراعات محلية أخرى. كما يعزز تورط جماعات مثل الحوثيين والفصائل السورية في هذه العمليات قدراتها المالية والتنظيمية ويخلق تحالفات مصلحية عابرة للحدود، تقوم على استغلال البؤس البشري لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، ما يحوّل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى خزان للقوة البشرية الهشة في صراعات القوى الكبرى.
نهاية، تجنيد المقاتلين العرب في الجيش الروسي يكشف أحد أكثر أشكال استغلال الإنسان الحديث، حيث تتحوّل مساعي الشباب للكرامة أو المال أو الجنسية إلى مجرد أرقام في استراتيجية "استبدال الخسائر" الروسية، ضمن سوق عالمية للقوة تستغل الفقر والانهيار الأمني. تقع المسؤولية على الحكومات العربية لتجريم شبكات السماسرة وتوعية مواطنيها، وعلى المجتمع الدولي للضغط على موسكو للكشف عن مصير المفقودين، إذ يبقى المقاتل العربي ضحية نظامين متوازيين: وطن فشل في توفير الأمل وعالم يراه مادة استهلاكية، في وقت أصبح فيه الفقر السلاح الأكثر فتكاً في الحروب المعاصرة.
أحمد عبد الحليم- المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|