مصير "نيو ستارت" بين أميركا وروسيا في زمن التسابُق على تطوير القدرات العسكرية...
قراءة في تقلبات أسعار الذهب
كتب العميد الدكتور غازي محمود :
ليست المرة الأولى التي تشهد فيها أسعار الذهب ارتفاعات حادّة، غير أنها المرة الأولى التي يُسجل فيها المعدن الأصفر مستويات قياسية غير مسبوقة، وبوتيرة متسارعة تحبس الأنفاس. فقد ارتفع سعر الذهب بنسبة %10.18 خلال الشهر المنصرم، بعد أن ارتفع بنسبة %73.59 خلال عام 2025، منها %45.07 في الأشهر الستة الأخيرة. مع العلم أن نسبة الارتفاع في شهر كانون الثاني/يناير 2026، كانت ستكون أعلى لولا الانخفاض الذي شهدته أسعار الذهب في الأيام الأخيرة منه.
وبقدر ما بدا هذا الارتفاع الأخير مستغربًا في سرعته وحدته، بدا الانخفاض اللاحق متوقعًا، وإن لم يكن متوقعًا في توقيته، ولا سيما في خضم الفوضى التي سيطرت على أسواق الذهب، وهيستيريا الطلب على المعدن الأصفر وغيره من المعادن الثمينة. وعلى الرغم من التراجع الذي شهدته الأسعار في ختام تعاملات الأسبوع الماضي، لا يزال الذهب يُتداول عند مستويات غير مسبوقة، فيما تواصل البنوك المركزية العالمية شراؤه بوتيرة ثابتة دون إبطاء.
تاريخياً، سُجلت أولى القفزات الكبرى في أسعار الذهب عام 1973، عقب حرب تشرين بين العرب وإسرائيل، وما رافقها من حظر امدادات النفط إلى الدول الغربية. حيث بلغ سعر الأونصة نحو 123.5 دولارًا، ما أدخل الاقتصاد العالمي في مرحلة من "الركود التضخمي"، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى التعامل مع الذهب بوصفه مخزنًا للقيمة، لا مجرد بديل نقدي للدولار الأميركي، وذلك جراء انكشاف هشاشة العملات الورقية.
أما القفزة الثانية لأسعار الذهب، فقد تمت في كانون الثاني/يناير 1980، حين وصل سعر أونصة الذهب إلى 668 دولارًا، بعد أن كان بـ 243.66 دولارًا في تشرين الثاني/نوفمبر 1978. وذلك على خلفية سلسلة من الصدمات الجيوسياسية الكبرى، شملت الثورة الإسلامية في إيران، وأزمة الرهائن الأميركيين، والغزو السوفياتي لأفغانستان.
أدت هذه التطورات التي شهدها العالم بين عامي 1978 و1980، إلى تصاعد الطلب على الذهب وبلوغ أسعاره ذروتها التاريخية آنذاك، قبل أن يضع الاحتياطي الفيدرالي حدًا لهذا الارتفاع من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي أدى إلى استقرار نسبي لأسعار الذهب على مدى عقدين تقريبًا.
وفي عام 2008، عادت أسعار الذهب لتشهد تقلبات حادة، فبعد أن لامس سعر الأونصة الـ 1000 دولار في آذار/مارس، تراجع إلى نحو 728 دولارًا في أيلول/سبتمبر من العام نفسه، على وقع أزمة الرهن العقاري التي تسببت في انهيار المصارف الكبرى، وفي مقدمتها مصرف "ليمان براذرز"، وصولاً إلى الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2011.
وفي حين استمرت تقلبات أسعار الذهب، غير أن الاتجاه العام للأسعار ظل تصاعديًا، ليبلغ سعر الأونصة 1826 دولارًا في آب/أغسطس 2012، قبل أن يتكبد الذهب في نيسان/أبريل 2013 أكبر خسارة سنوية بلغت نحو 28%. ومن ثم بلغ سعر الأونصة في كانون الأول/ديسمبر نحو 1200 دولار، منهيًا بذلك دورة صعود استمرت لخمس سنوات.
وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الذهب انخفضت في بداية أزمة الرهن العقاري، بدلاً من ارتفاعها، ويكمن السبب في أنه غالباً ما يندفع المستثمرون نحو تسييل كل ما يمكن تسييله، ولا سيما الذهب، لتغطية الخسائر المستجدة وتلبية متطلبات الهامش. وهو ما يكشف حقيقة جوهرية مفادها أن الذهب يُباع أولاً عندما تصبح الحاجة إلى السيولة أولوية مطلقة.
الأمر الذي تكرر مع موجات الانخفاض الحاد التي شهدتها أسواق أسهم التكنولوجيا والعملات الرقمية مطلع عام 2026، حيث اضطر بعض المستثمرين إلى تسييل (Liquidations) مراكزهم الرابحة في الذهب، أي عمليات البيع، لتغطية خسائرهم في أصول أخرى. الأمر الذي أعاد التأكيد أن الذهب، وإن كان هو الملاذ الآمن والأخير، غالبًا ما يُستخدم كمصدر للسيولة عند الأزمات.
غير أن التذبذب الذي تشهده أسعار الذهب منذ مطلع الأسبوع الحالي يعكس تداخل العديد من الأسباب. فمن جهة، أسهمت المخاوف من فقدان الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، وتراجع الثقة بالعملة الأميركية، وارتفاع معدلات التضخم، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، إلى جانب استمرار المصارف المركزية في شراء الذهب، في دعم الأسعار.
في المقابل، أسهم استخدام الذهب كأداة مضاربة وما يُسببه من مخاطر على استقرار أسعار الذهب في زيادة حدة التقلبات، لا سيما منها الرافعة المالية (Leverage)، والعقود الآجلة، وعقود الفروقات (CFDs)، وصناديق المؤشرات (ETFs)، وجميعها عقود ورقية، وهي أدوات تجعل حجم "الذهب الورقي" المتداول يفوق بأضعاف حجم الذهب الفيزيائي المتاح فعليًا.
ولما كان هدف المضاربين تحقيق أرباح سريعة، فإنهم يعمدون عند أول إشارة ضعف إلى البيع، ما يُطلق موجات بيع متسلسلة تُضخم الانخفاضات. وفي هذه الحالة، لا يعكس انخفاض السعر الذهب تبدلًا في القيمة الجوهرية للذهب، بل يعكس ما يُعرف بـ "سلوك القطيع" في الأسواق المالية. وغالبًا ما تكون هذه الانخفاضات قصيرة الأجل وغير مرتبطة بعوامل بنيوية تتعلق بالمعدن الثمين بحد ذاته.
تؤكد مراجعة تقلبات الأسعار منذ فك الارتباط بين الذهب والدولار الأميركي أن هذه التقلبات هي نتيجة التفاعل بين عوامل نقدية وجيوسياسية وسلوكية. فالذهب، وإن امتاز بكونه مخزنًا للقيمة على المدى الطويل، يبقى عرضة للتقلبات على المدى القصير، خاصةً عندما يتحول إلى أداة للمضاربة.
غير أن المفارقة تكمن في أن موجات الانخفاض غالبًا ما تعقبها عودة للشراء الاستراتيجي الطويل الأجل، ولا سيما من البنوك المركزية والمستثمرين التحوطيين، مما يعيد التأكيد أن تذبذب الأسعار لا يلغي مكانة الذهب، بل يعزز دوره كأصل استراتيجي في زمن يسود فيه عدم اليقين.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|