من نهر إبراهيم وصولاً إلى كازينو لبنان.. توقيف باصات ومداهمات أمنية
هل دقت ساعة تحرير الثروة الذهبية ؟
في العام 1986 وأثناء الحرب الأهلية، أقرّ مجلس النواب قانون منع بيع الموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان إلّا بنصّ تشريعي يصدر عن مجلس النواب، وتضمن هذا القانون مادّة وحيدة هي: "بصورة استثنائية وخلافًا لأيّ نصّ، يمنع منعًا مطلقًا التصرّف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان أو لحسابه مهما كانت طبيعة هذا التصرّف وماهيته سواء أكان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلّا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب". كان صدور هذا القانون آنذاك نتيجة حلّ لنزاع سياسي بين طرفين ونتيجة لتعدد السلطات، ولم يكن ناتجًا عن مصلحة اقتصادية أو مالية أو سياسة استثمارية. وبالتالي، فإن الإبقاء على هذا القانون اليوم، بعد 40 عامًا رغم الأزمة المستعصية التي يمرّ بها مصرف لبنان والدولة والقطاع المصرفي والمودعون، والنزاع القائم بين الدولة والبنك المركزي، يُعدّ قرارًا غير عقلاني وغير مبني على أي قاعدة أو رؤية اقتصادية.
عندما يبني أي كيان ثروة نقدية، عقارية، معدنية، أسهمًا، ذهبًا وغيرها... فهو يحتاج بطبيعة الحال، إلى إدارة تلك الثروة أو المحافظ الاستثمارية، لسبب بسيط وهو حماية تلك الثروة! لأن أي استثمار لا يدرّ الأرباح التي يمكن أن يعاد تشغيلها لتحقيق المزيد من الأرباح ورفع حجم الثروة الأساسية، يعتبر استثمارًا خاسرًا!
منذ العام 1950 كان حجم احتياطي مصرف لبنان من الذهب يوازي 390 مليون دولار، وقد وصل في كانون الأول من العام 2025 إلى 40.374 مليار دولار مرتفًعا من 25.774 مليارًا في أوائل العام 2025. أما اليوم، ومع وصول سعر أونصة الذهب إلى مستويات تاريخية فوق الـ 5000 دولار (لامس الـ5500 دولار قبل أن يتراجع)، فإن قيمة احتياطي مصرف لبنان من الذهب تجاوزت الـ 47 مليار دولار، علمًا أن البنك المركزي يملك حوالى 286.8 طنًاا من الذهب أي حوالى 9.25 ملايين أونصة. هذه الكميّة ثابتة تقريبًا منذ السبعينات ولم تتغيّر لا في 1986 ولا بعدها.
وفقًا لتجارب دول عدّة، وبما أن الذهب هو ملك لمصرف لبنان وليس ملك الدولة كما صرّح وزير الصناعة مؤخرًا، موضحًا أن الذهب مدرج ضمن أصول (موجودات) مصرف لبنان، فبالتالي إن الذهب يعتبر مثله مثل احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية النقدية وغيره من أصول المصرف، والتي لا يمانع أحد أو يحظر أي قانون من استخدامها أو استثمارها إو إدارتها كما يفعل مصرف لبنان حاليًا، بدليل أن إدارته بالشكل الصحيح منذ تسلّم وسيم منصوري الحاكمية بعد رياض سلامة ولغاية اليوم مع تسلّم كريم سعيد الحاكمية، أدّت إلى ارتفاع الاحتياطي الذي استُنزف خلال الأزمة، أكثر من ملياري دولار.
وبما أن الذهب ليس ملكاً للدولة وهو مجمّد من خلال قانون منع المسّ به، فإن الذهب اليوم لا يمكن اعتباره على أنه ملكٌ لأحد، لأن لا أحد يستطيع التصرّف به وإدارته، قبل تحريره كخطوة أولى وايلاء مهمّة إدارته كثروة وطنية لمصرف لبنان أو أي جهة أخرى مناسبة، من أجل حماية الأرباح المحققة في حال تمّ تصحيح أسعار الذهب عالميًا، ومن أجل إدراته كأي محفظة أخرى تدرّ الأرباح وتستثمر أرباحها في استثمارات جديدة قد تكون مثلاً شراء المزيد من الذهب أو رفع حجم احتياطي لبنان أكثر!
عندما يدير مصرف لبنان احتياطه من الذهب بالشكل الصحيح، يصبح حجم موجوداته أكبر وقد تتعادل موجوداته مع مطلوباته (المقدّرة بحوالى 85 مليار دولار)، علمًا أن ذلك لا يعني بالضرورة استخدام أرباح الذهب لتغطية الفجوة المالية ورفع المسؤولية عن الأطراف المعنية لحل أزمة الودائع، بل إلغاء العجز في ميزانية مصرف لبنان والسماح له بإدارة ثرواته بشكل يعيد الثقة ويدرّ السيولة النقدية اللازمة لإدارة الأزمة.
لم يعد خافيًا، أن وجهات نظر وآراء العديد من الخبراء الاقتصاديين والمصرفيين والماليين بالإضافة إلى وزراء ونواب، بدأت تميل في الكواليس وليس علنًا خوفًا من فقدان الشعبية، إلى التوجّه نحو تحرير الذهب وتسييل جزء منه واستثماره. وقد يكون وزير الصناعة أوّل المسؤولين الذي يتجرّأ علنًا على طرح اقتراح تحرير الذهب، "من أجل تحسين قانون الفجوة، من المستحسن الاتفاق على تسييل حوالى 15 مليار دولار من الذهب لشراء سندات استثمارية (investment grade zero coupon bond) وإعطائها إلى المودعين التي تفوق ودائعهم 100 ألف دولار، بدل السندات "المعززة بالمداخيل المحتملة على أصول مصرف لبنان" التي تم اقرارها في مشروع القانون. معتبرًا أنه "الحلّ الأمثل الذي يضمن للمودعين حصولهم على أموالهم عند استحقاق السندات دون أي تأخير". ليعود عيسى الخوري ويوضح أن "مقولة تسييل جزء من احتياط الذهب هي لخدمة المصارف، غير صحيحة. الهدف هو عدم تكبيل مصرف لبنان بالتزامات طويلة الأمد في ظل فقدان القطاع المصرفي للسيولة اللازمة لتسديد أموال المودعين".
كيف يمكن استخدام الذهب من دون بيعه؟
قامت الهند على سبيل المثال، باستخدام الذهب كضمان للاقتراض الخارجي في أوقات الأزمات.
وعندما تحسّن وضعها، حرّرت الرهن، مما ساهم في تجنيبها انهيار العملة من دون خسارة الأصول.
يؤكد أحد الخبراء المختصّين، أن إنشاء صندوق سيادي للذهب (Gold Sovereign Fund) يُبقي الذهب ملكًا للدولة، على أن يُدار بشفافية دولية، ويُستخدم كضمان وليس للبيع. إلا أن ذلك يحتاج إلى قانون جديد وإدارة مستقلة ورقابة دولية. ويشرح لـ "نداء الوطن" أنه يمكن استعمال الذهب كضمان لإعادة هيكلة الدين حيث لا يعتبر رهنًا مفتوحًا بل ضمانًا مشروطًا بإصلاحات. كما يوضح أنه يمكن إصدار سندات مغطّاة بالذهب (Gold-backed bonds) حيث تقوم الدولة بالاقتراض مقابل الذهب ويبقى الذهب مخزّنًا لديها، مشيرًا إلى أن دولًا ناشئة اعتمدت هذا الخيار وحققت نجاحًا.
يضيف أنه يمكن أيضًا توظيف الذهب ضمن اتفاق مع صندوق النقد واستخدامه كورقة قوة تفاوضية مقابل إصلاحات مصرفية وحماية الودائع.
ويشدد في المقابل على أن الخطوط الحمر لتحرير الذهب تشمل عدم بيعه أو استخدامه لسدّ خسائر المصارف، أو لتغطية فساد سابق أو عجز من دون إصلاح، لأن ذلك سيعني تصفية آخر ثروة وطنية، لأن الذهب هو أداة قوّة وثقة وسيادة.
أداة ادّخار أدّت إلى ارتفاع الاستيراد
ارتفع استيراد الذهب في لبنان بشكل كبير في السنوات الأخيرة، خصوصًا خلال السنوات التي تلت الأزمة المصرفية والمالية، حيث أصبح المواطنون يلجأون إلى ادّخار الذهب لأنه من الأصول الملموسة بدلًا من العملات الأجنبية أو المحلية خصوصًا بعد انهيار سعر صرف العملة المحلية، وبعد فقدان ثقتهم بالمصارف واحتجاز ودائعهم. وبات الاتجاه العام نحو الذهب كملاذ آمن أكثر من الدول الأخرى، مما أدّى إلى زيادة استيراد الذهب بين 2022 و2023 من حوالى 16,776 كلغ من سبائك الذهب إلى حوالى 31,814 كلغ بزيادة سنوية نسبتها حوالى 90 %.
وفي ظل التدهور الاقتصادي، أصبحت تجارة الذهب في لبنان رائجة أكثر بما في ذلك السبائك والمجوهرات، وأظهرت البيانات الجمركية أن الذهب كان من أكبر واردات لبنان في 2023 من غير المواد الأساسية، بحوالى 2.08 مليار دولار من سبائك وأوزان غير مصنعة، وهو رقم كبير نسبةً لحجم اقتصاد البلد.
أما في العام 2025، فقد ظلّت الأحجار الكريمة واللؤلؤ والمعادن الثمينة والمصوغات في المرتبة الثانية بقيمة 3,771 مليارات دولار، أي ما نسبته 19,46 في المئة من القيمة الإجمالية لفاتورة الاستيراد.
وقد أوضح رئيس نقابة تجار الذهب والمجوهرات في لبنان نعيم رزق لـ "نداء الوطن" أن تجارة الذهب في العام 2025 زادت بشكل كبير تخطّى ضعف العام 2024 وبالتالي ارتفع الطلب بنسبة مهولة على المعدن الأصفر ليصبح الطلب أكبر من العرض، لدرجة أن كلّ حجم ما يتم استيراده لم يعد يكفي السوق المحلية مما جعل أونصة الذهب غير متوفرة بشكل دائم، لافتًا إلى أنه في العامين 2023 و2024 كانت المبيعات محصورة بالسبائك والأونصات والليرات، لكنها تحوّلت في 2025 إلى الذهب المشغول أيضًا. مشيرًا إلى أن مستوردات الذهب كانت تصاغ وتصنّع في لبنان ويعاد تصديرها إلى الخارج، إلا أنها باتت اليوم بالكاد تكفي السوق المحلية بسبب عمليات التخزين والادخار، ولا تتم إعادة تصدير سوى جزء بسيط منها.
كما أشار رزق إلى وجود شحّ في مناجم الذهب وبالتالي عدم قدرة على زيادة الاستيراد إلى لبنان بسبب عدم قدرة المصدر المورّد على تلبية احتياجات كافة الدول والتأخر في تسليم الطلبات.
وأوضح أن الذهب بلغ قمّة تاريخية فوق الـ 5000 دولار بعد تصريحات الرئيس الأميركي حول تراجع الدولار بالإضافة إلى الظروف الجيوسياسية حول العالم وإمكانية اندلاع حروب في أي لحظة، وتأثير الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، هي جميعها أسباب رئيسية ما زالت قائمة لارتفاع أسعار الذهب. ولفت رزق إلى أن الطلب من المصارف المركزية حول العالم ما زال أيضًا مرتفعًا ويتسبب في ارتفاع الأسعار بالاضافة إلى تهافت المواطنين على شراء الذهب وتخزينه في كافة دول العالم. كذلك، فان ارتفاع حجم المديونية الأميركية وخفض الفوائد الأميركية جميعها أيضًا عوامل تدفع الذهب إلى مستويات قياسية، من المتوقع أن يحافظ عليها لا بل أن يتخطّاها.
رنى سعرتي - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|