يا شيخ نعيم لبنان المتنوّع ليس درعًا بشريًا للولي الفقيه
حين يخرج نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، ليعلن أن أي خطر يطال المرشد الإيراني علي خامنئي أو إيران سيستدعي تدخل الحزب، فهو لا يعبّر عن موقف سياسي عابر، بل يقدّم إعلانًا صريحًا عن موقع لبنان في معادلة الحزب،ساحة جاهزة، واحتياطي دم، ووطن قابل للاستهلاك في معركة لا تخصّه.
هذا الكلام ليس زلّة لسان، ولا حماسة خطابية، هو خلاصة عقيدة سياسية – عسكرية تقوم على إلحاق لبنان بمشروع (الولي الفقيه) وتحويل سيادته إلى تفصيل، وتنوّعه إلى عبء، وشعبه إلى أداة.
في جملة واحدة، يُنزَع عن اللبنانيين حقهم في تقرير مصيرهم، ويُختصر وطن كامل بإرادة حزب واحد ومرجعية دينية خارج حدوده.
الأخطر في خطاب نعيم قاسم أنه يفترض، بلا أي خجل سياسي أو وطني أن لبنان بلد أحادي الطائفة والقرار، وأن المسيحي والدّرزي والسنّي، وحتى الشيعي غير المنضوي في مشروع الولاية، مجرد هوامش لا تُحسب.
يتحدّث وكأن هذا البلد لم يُبنَ على التنوّع، ولم يدفع أثمان الحروب الأهلية والتسويات الدقيقة، ولم يتعلّم (نظريًا على الأقل )أن فرض الإرادة الواحدة هو وصفة دمار مؤكدة.
في هذا الخطاب، يُختزل المسيحي الذي لا يرى في خامنئي أي مرجعية، ويُمحى الدرزي الذي يرفض أن يكون وقودًا لحرب إقليمية، ويُلغى السنّي الذي لا يعترف بأي قداسة سياسية تُبرّر موته.
وحتى الطائفة الشيعية نفسها تُقدَّم ككتلة صمّاء، مستعدّة جماعيًا للتضحية بحياتها من أجل إيران، وكأنها بلا تعدّد ولا رأي ولا حق في الاختلاف.
وهنا لا بد من قول ما يجب أن يُقال بوضوح، ان احترامنا الكامل للشيعة ولمراجعهم الدينية لا يعني، ولن يعني، القبول بفرض هذه المرجعية على سائر اللبنانيين، ولا تحويلها إلى سبب لموت أبنائهم.
أنا، كامرأة لبنانية سنيّة، لا يعنيني أن أموت من أجل خامنئي، ولا من أجل أي مرجع ديني آخر، لا شيعي ولا سنّي.
الإيمان خيار شخصي، أما الحرب فقرار وطني جماعي، لا يملكه حزب، ولا يُفرض باسم (المقدّس) أو (المقاومة).
ما يطرحه حزب الله اليوم ليس مقاومة، بل معادلة خطِرة،تقوم على تحويل لبنان إلى درع بشري متقدّم في صراع إقليمي لا يملك فيه قرارًا ولا مصلحة، فلم يُستفتَ اللبنانيون على خوض حرب دفاعًا عن إيران ولم يُسألوا إن كانوا مستعدّين لتحمّل كلفة مواجهة إقليمية فيما دولتهم منهارة، واقتصادهم مدمّر، ومجتمعهم على حافة التفكك.
هذا الخطاب لا يحمي لبنان، بل يهدده، لا يردع الحروب، بل يستدعيها، ولا يبني دولة، بل ينسف فكرة الدولة نفسها، ويستبدلها بولاء عابر للحدود، لا يعترف بدستور ولا بتوازنات ولا بحق الشعوب في أن تختار طريقها.
لبنان، في منطق نعيم قاسم، ليس وطنًا نهائيًا، بل ساحة،ليس عقدًا اجتماعيًا بين مكوّنات متنوّعة، بل مادة خام تُصهَر قسرًا في مشروع لا يشبهها.
هذا اختزال عنيف، وإلغاء سياسي، وشكل من أشكال الاحتلال غير المعلن، حتى لو رُفعت فوقه شعارات المقاومة.
حين يعلن حزب الله استعداده للتدخّل دفاعًا عن خامنئي، فهو لا يهدّد خصوم إيران بقدر ما يهدّد لبنان نفسه، كيانه، وتعدّديته، وحق أبنائه في أن يعيشوا ويموتوا لأسباب تخصّهم، لا لأجل مرجع لم يختاروه، ولا معركة لم يقرّروها.
لبنان ليس حسينية سياسية، ولا ثكنة إيرانية متقدّمة، ولا ورقة تفاوض في يد أحد، هو بلد أنهكته الحروب بالوكالة، ودفع أثمان صراعات الآخرين، ويكاد ينهار تحت وطأة خيارات لم يشارك في صنعها.
لبنان ليس ملكًا لأحد، ولن يكون،ومن يقرّر الحرب باسم الجميع، يقتل الوطن قبل أن تبدأ المعركة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|