انهيار قواعد الاشتباك.. لماذا لم تعد إسرائيل تكتفي بمنطق الردع؟
تبنّت إسرائيل، بعد هجوم السابع من أكتوبر، استراتيجية استباقية ضد خصومها، بدلاً من الاكتفاء بتحقيق استراتيجية المنع عبر الردع العسكري، في محاولة لتصفية الحسابات مع كل من يشكل خطرًا عليها.
ويرى محللون أن هذا التحول لم يعد مرتبطًا بردع خصومها أو احتواء التهديدات فحسب، بل بات يستند إلى توظيف مباشر لقدراتها العسكرية والاستراتيجية لتفكيك ما تعتبره مصادر خطر إقليمي، والحد من أي مفاجآت مستقبلية قد تهدد أمنها أو تخلّ بتوازنها الإقليمي.
ويشير المحلل السياسي أشرف عكة إلى أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر تغيّرت من منطق "الردع" إلى "المنع"، وهو تحول جذري في استراتيجيتها، إذ لم تعد تكتفي بالرد على التهديدات، بل تسعى لمنعها مسبقًا عبر إنشاء مناطق عازلة وتحويلها إلى مناطق عمليات، كما يحدث في غزة وجنوب لبنان وجنوب سوريا.
وقال عكة لـ"إرم نيوز": "الاستراتيجية الجديدة تشمل أيضًا أبعادًا بحرية، خاصة بعد تطورات البحر الأحمر وتهديدات الحوثيين للملاحة نحو ميناء إيلات، ما دفع إسرائيل لتوسيع تحالفاتها، وكان آخرها إعلان الاعتراف بإقليم أرض الصومال".
وأضاف: "هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر، خاصة في ظل قدرة القوى الإقليمية على خلق مسارات جديدة للرد، قد تُربك الحسابات الإسرائيلية".
وتابع: "إسرائيل تتحرك ضمن بيئة جغرافية معقدة، وديموغرافيًا تواجه تحديات أكبر، مشيرًا إلى أن منطقها في التعامل مع إيران قد لا يحقق النتائج المرجوة، خاصة أن الفوضى التي تحاول خلقها في المنطقة لا تضمن لها تحقيق الأمن".
وأوضح عكة أن "التحول من منطق الردع إلى منطق المنع نابع من انهيار قواعد الاشتباك التي كانت تضبط إيقاع الصراع، خاصة مع الفلسطينيين، طوال السنوات الماضية. فالردع كان يعني ضبط التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكن مفاجأة هجوم حماس في السابع من أكتوبر، وما تلاها من استنزاف في جنوب لبنان، زعزعت ثقة إسرائيل بهذا المنطق".
ولفت إلى أن "إسرائيل باتت تخشى توحيد الجبهات في لحظة واحدة، ما دفعها إلى اعتماد سياسة المنع عبر تفكيك محور إيران وخلق بيئات مضطربة غير قادرة على تشكيل توازن استراتيجي معها. ووفق هذا المنطق، تسعى إسرائيل لعزل محيطها الجغرافي ومنع تكرار سيناريو مشابه لـ7 أكتوبر، سواء من غزة أو سوريا أو جنوب لبنان".
دروس قاسية
من جانبه، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي خليل أبو كرش أن الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر كانت تستند إلى مفاهيم رئيسة، أبرزها الردع الاحترازي والإنذار المبكر، مضيفًا: "لكن هذه المفاهيم لم تعد صالحة للتعامل مع الواقع الجديد الذي فرضته مفاجأة ذلك اليوم".
وقال أبو كرش لـ"إرم نيوز": "المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل استخلصت دروسًا قاسية من تلك الأحداث، دفعتها إلى مراجعة عقيدتها العسكرية، بعدما أثبتت فشلها في الاستجابة لما وقع، وأظهرت قصورًا في التنبؤ والتفسير".
وأضاف: "أهمية أي عقيدة عسكرية تكمن في قدرتها على فهم الواقع والتنبؤ بتطوراته، لكن ما حدث في السابع من أكتوبر كشف عن ضعف هذه القدرة، ما اضطر إسرائيل إلى إعادة تقييم عاجلة لدروس المرحلة وتطوير أسس جديدة للتعامل مع التحديات المتصاعدة".
وأوضح الخبير أن "ما بعد السابع من أكتوبر شهد تحوّلًا واضحًا في تفكير إسرائيل، حيث بات التركيز ينصبّ على المواجهة المباشرة مع الأطراف المحيطة، دون انتظار وقوع تهديد فعلي".
وأشار إلى أن "إسرائيل تخلّت عن فكرة التعايش مع الأطراف الخطرة، والتي كانت تعتقد سابقًا بإمكانية احتوائها، سواء في لبنان أو سوريا أو غيرها".
وأكد أن "الأدوات التحليلية التي اعتمدتها إسرائيل سابقًا لم تعد صالحة لفهم الواقع المتغير، وظهرت بدلاً منها أدوات جديدة، أهمها اعتماد أسلوب المنع الاستباقي والضربات المباشرة، ومنع أي تمدد لقوى خصومها، حتى لو تطلب ذلك استخدامًا أوسع للقوة العسكرية المركزة"، مبينًا أن "القوة وحدها لا تضمن النجاح الكامل، فإسرائيل تسعى أحيانًا لاستخدام النفوذ السياسي والاستخباراتي كبديل عن القوة المباشرة".
وأضاف: "التهديد الإيراني يُعدّ في صلب هذه الاستراتيجية، إذ كانت إسرائيل قبل السابع من أكتوبر تطوّر أدوات للحد من النفوذ الإيراني، لكن الأحداث الأخيرة دفعتها لتوسيع دائرة عملياتها لتشمل لبنان وسوريا والعراق، بل وحتى الداخل الإيراني، في محاولة استباقية لتقويض تأثير طهران في الإقليم".
وذكر أن "إسرائيل قد تلجأ إلى تطبيق استراتيجيتها الجديدة تجاه إيران، من خلال تحجيم برنامجها النووي بأي وسيلة ممكنة، سواء عبر تدخلات مباشرة أو عبر دعم عمليات استخبارية داخل الأراضي الإيرانية".
وأشار إلى أن "ما بعد السابع من أكتوبر أفرز تحولات واضحة، إذ باتت الخطوات الاستباقية ضد طهران جزءًا أساسيًا من العقيدة الأمنية الإسرائيلية".
وختم بالقول إن "هذه المقاربة لا تقتصر على الجبهة الإيرانية المباشرة، بل امتدت إلى مناطق نفوذ إيراني محتمل، مثل إقليم الصومال، حيث تسعى إسرائيل إلى تعزيز حضورها العسكري والاستخباري بهدف مراقبة تحركات طهران وتقييد نفوذها الإقليمي"، معتبرًا أن "هذا التوسع سيكون مؤثرًا في رسم ملامح الاستراتيجية الإسرائيلية خلال المرحلة المقبلة".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|