محليات

"المالية" تفتح ملف "صيرفة" ضريبياً… العدالة تحت الاختبار

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أصدرت وزارة المالية بياناً دعت فيه الأشخاص الطبيعيين والمعنويين إلى التصريح وتسديد الضريبة المتوجّبة على الأرباح الناتجة عن العمليات التي نُفِّذت عبر منصة «صيرفة»، وذلك استناداً إلى أحكام المادة 93 من القانون رقم 324 تاريخ 12/2/2024 (قانون الموازنة العامة لعام 2024).

وأوضحت الوزارة أنّه يُطلب من المكلفين الذين تجاوز مجموع عملياتهم على منصة «صيرفة» خمسة عشر ألف دولار أميركي خلال الأعوام 2021 و2022 و2023، التصريح عن الأرباح المتحققة وتسديد الضريبة الاستثنائية والغرامات المنصوص عليها، ضمن مهلة تنتهي في 15 كانون الثاني 2026، تفادياً لملاحقتهم وفقاً لأحكام التهرّب الضريبي.

ولفتت إلى أنّ الإدارة الضريبية ستباشر، فور انقضاء هذه المهلة، تدقيق المعلومات الواردة إليها من مصرف لبنان والجهات المعنية حول العمليات المنفّذة على المنصة، على أن تتم إحالة المكلفين الذين لم يلتزموا بموجباتهم الضريبية إلى النيابة العامة المالية لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وفي هذا الإطار، يقول أستاذ الاقتصاد والخبير المالي محمد موسى إن بيان وزارة المالية المتعلّق بوجوب التصريح وتسديد الضريبة المتوجّبة على الأرباح الناتجة عن العمليات المنفّذة عبر منصة «صيرفة» يشكّل انتقالاً من مرحلة التغاضي العملي إلى مرحلة المحاسبة المتأخّرة، مستنداً إلى أحكام المادة الثالثة والتسعين من قانون الموازنة العامة لعام 2024. فبعد سنوات من اعتماد المنصة كأداة استثنائية لإدارة انهيار سعر الصرف، تعود الدولة اليوم إلى فتح هذا الملف من زاوية ضريبية صِرفة، واضعةً سقفاً زمنياً ومادياً واضحاً، ومعلنةً نيتها الانتقال إلى التدقيق والملاحقة عند انتهاء المهلة المحددة في الخامس عشر من كانون الثاني 2026.

ويفرض البيان على كل من تجاوز مجموع عملياته على «صيرفة» خمسة عشر ألف دولار أميركي خلال الأعوام 2021 و2022 و2023، سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً، التصريح عن الأرباح المتحققة وتسديد الضريبة الاستثنائية مع الغرامات، تحت طائلة الإحالة إلى النيابة العامة المالية بتهمة التهرّب الضريبي. وتكمن الأهمية، بحسب موسى، لا في فرض الضريبة فحسب، بل في الإعلان الصريح عن امتلاك الإدارة الضريبية بيانات تفصيلية مصدرها مصرف

لبنان والجهات المعنية، ما ينهي عملياً وهم استحالة التدقيق أو ضياع المعطيات.

اقتصادياً ومالياً، يعكس هذا التوجّه محاولة واضحة لتوسيع القاعدة الضريبية بأثر رجعي لتعويض تراجع الإيرادات، وتحميل جزء من كلفة الانهيار لمن استفاد من فروقات سعر الصرف، ولو بعد سنوات. لكنه في الوقت نفسه يفتح نقاشاً عميقاً حول العدالة الضريبية، إذ إن العمليات المشمولة جرت في ظرف استثنائي فرضته السياسات النقدية نفسها، ومن دون قواعد ضريبية واضحة في حينه، ما يجعل الضريبة اليوم قانونيةً شكلاً لكنها إشكاليةً مضموناً.

أما من حيث التطبيق، فتبدو الفجوة بين النص والواقع، كما يقول موسى، كبيرة. فمن الناحية الزمنية، منحت الدولة نفسها هامشاً واسعاً، ما يدل على إدراكها لحساسية الملف وصعوبة تنفيذه دفعةً واحدة. فالبدء بالتدقيق بعد سنوات على حصول العمليات ليس تفصيلاً تقنياً، بل خياراً سياسياً يهدف إلى التدرّج وتخفيف الصدام، تمهيداً لتطبيق انتقائي أكثر منه شاملاً.

ومن حيث الأشخاص، لا يميّز القانون بين مدني وعسكري وقاضٍ وموظف عام وتاجر وشركة، وجميعهم نظرياً خاضعون للأحكام نفسها. إلا أن التجربة اللبنانية تشير، وفق موسى، إلى أن التطبيق لن يكون متساوياً. فالعسكريون والقضاة وموظفو القطاع العام لجأ كثير منهم إلى «صيرفة» لتعويض انهيار الرواتب، لا لتحقيق أرباح تجارية، ما يضع الإدارة أمام معضلة التمييز بين ربح مضاربي ومنفعة اضطرارية للعيش، وهي مسألة لا يعالجها النص لكنها ستفرض نفسها بقوة في التطبيق.

في المقابل، تبدو الشركات وأصحاب الأعمال والمهن الحرة الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للملاحقة، إذ يسهل توصيف عملياتهم كعمليات ربحية متكررة، كما يفتقدون الغطاء الوظيفي أو الرمزي الذي يتمتع به العاملون في مؤسسات الدولة. وهنا يُرجّح أن يبدأ التطبيق فعلياً، مع فتح باب واسع للتسويات والمراجعات والاعتراضات.

أما على مستوى القدرة التنفيذية، فالمهمة ليست سهلة. فامتلاك البيانات لا يعني تلقائياً القدرة على تحويلها إلى ضرائب مُحصَّلة، إذ إن احتساب الربح الصافي، وتحديد الأساس الخاضع للضريبة، ومعالجة الاعتراضات، تتطلب، وفق موسى، جهازاً ضريبياً فاعلاً ومتماسكاً، وهو ما تفتقر إليه الدولة حالياً. لذلك، من المتوقع أن يأتي التطبيق بطيئاً، مجزّأً، وانتقائياً، تحكمه اعتبارات سياسية واجتماعية بقدر ما تحكمه النصوص القانونية.

خلاصة المشهد أن الدولة أعلنت بوضوح نيتها المحاسبة، لكنها تدخل ملفاً شديد الحساسية في توقيت بالغ التعقيد. فالنص يقول إن الجميع متساوون أمام الضريبة، لكن الواقع يوحي، كما يؤكد موسى، بأن الموقع الوظيفي، وحجم العمليات، والقدرة على التفاوض أو الاعتراض، ستحدّد مسار التطبيق. وبين منطق القانون ومنطق إدارة الأزمة، يبقى هذا الإجراء مؤشراً إضافياً على أن الدولة تفتّش في دفاتر الماضي بحثاً عن إيرادات، من دون أن تكون قد حسمت بعد شكل العدالة المالية التي تريد بناءها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا