هل يغلق الكونغرس باب الحرب أمام ترامب؟
تتزايد الضغوط السياسية على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب مع إيران، مع اقتراب انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين، وتصاعد تحركات داخل الحزب لوقف تمويل العمليات العسكرية. وبينما تتواصل الوساطة القطرية لاحتواء التوتر وبناء الثقة بين واشنطن وطهران، تثير ضربات أميركية جديدة تساؤلات بشأن قدرة ترامب على استئناف حملة عسكرية واسعة، في ظل تقلص هامش المناورة السياسية أمامه.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه ترامب لا يقتصر على الحسابات العسكرية والدبلوماسية، بل يمتد إلى الداخل الأميركي، حيث أدت الخسارة المدوية للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي إلى تغيير المعادلة السياسية المحيطة بالحرب. فبعد أن فقد ترامب شبكة الأمان التي وفرتها له الأغلبية الجمهورية في الكونغرس، بدأت تحركات الديمقراطيين تتخذ طابعاً أكثر جدية لإنهاء العمليات العسكرية، التي لا تحظى بتأييد قطاع واسع من الأميركيين.
الفرص تتضاءل
ذكرت شبكة «إن بي سي»، نقلاً عن مصادر لم تسمّها، أن مسؤولين في الإدارة الأميركية ووزارة الدفاع (البنتاغون) أبلغوا ترامب بأن فرص شن حملة عسكرية جديدة على إيران تتضاءل، وأن عليه اتخاذ قرار خلال الأسابيع الثمانية المقبلة، قبل بدء الكونغرس الجديد، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، ممارسة مهامه، إذا كان يرغب في استئناف العمليات العسكرية.
وتضع هذه المهلة الإدارة الأميركية أمام حسابات سياسية وعسكرية معقدة؛ إذ لا يزال الجمهوريون يسيطرون على مجلسي الكونغرس حتى أداء الأعضاء الجدد اليمين الدستورية في كانون الثاني، لكن انتقال الأغلبية بعد ذلك قد يحد من قدرة الرئيس على تأمين الدعم السياسي والمالي لأي تصعيد جديد.
الديمقراطيون يلوحون بسلاح التمويل
في هذا السياق، بدأ مشرعون ديمقراطيون، خصوصاً من التيار التقدمي، التحرك لقطع التمويل عن الحرب، بل والضغط من أجل ربط تمويل الحكومة الاتحادية بقيود تمنع استخدام الأموال في مواصلة العمليات العسكرية. وسلطت صحيفة «واشنطن صن» الضوء على الدور الذي يقوده السيناتور كريس فان هولن والنائب رو خانا في هذا الاتجاه، مشبهة تحركاتهما بالجهود التي بذلها الكونغرس لإنهاء حرب فيتنام عام 1973.
ولا تقتصر الاستراتيجية المطروحة على حذف التمويل المخصص للحرب من التشريعات الحالية، بل تتجاوز ذلك إلى إدراج شروط تمنع استخدام الأموال المخصصة في تنفيذ العمليات العسكرية. ووفق موقع «تروث أوت» الإخباري، فإن هذا المسار قد يكون أكثر فعالية من الاكتفاء بقرارات تتعلق بصلاحيات الحرب، التي قد تتجاهلها إدارة ترامب.
ويرى محللون أن سلطة الميزانية تمثل واحدة من أقوى الأدوات المتاحة أمام المشرعين للضغط على الرئيس وإنهاء الحرب، خصوصاً أن الديمقراطيين سيتمتعون بغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب مع بدء الدورة الجديدة للكونغرس.
وقال فان هولن: «لا أعتزم التصويت لصالح أي شيء يوفر أي تمويل لتأجيج الحرب في إيران... إذا أراد الرئيس أن يقول للشعب إنه مستعد لإغلاق حكومة الولايات المتحدة من أجل شن حرب غير قانونية ولا معنى لها في إيران، فسيكون ذلك خياره»، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.
ولقي هذا التوجه دعماً من عدد من المشرعين الديمقراطيين، بينهم النائب آدم سميث، العضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، والنائبة روزا ديلاورو، العضو في لجنة المخصصات بالمجلس، إضافة إلى عضو مجلس الشيوخ الجديد عبد الرحمن السيد.
اقتراب موعد انتهاء التمويل
تكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع اقتراب موعد انتهاء تمويل الحكومة الاتحادية في 11 كانون الأول المقبل، وهو ما يتيح للديمقراطيين استخدام المفاوضات بشأن الموازنة للضغط على الإدارة الأميركية. وفي الوقت نفسه، يتعين على الكونغرس الحالي النظر في مشروع قانون ميزانية وزارة الدفاع للعام المقبل، الذي تضمنت صيغ سابقة منه تخصيص نحو 70 مليار دولار للحرب ضد إيران.
وبذلك، قد يجد ترامب نفسه أمام معادلة سياسية صعبة، تتمثل في الاختيار بين تقديم تنازلات بشأن استمرار الحرب أو مواجهة احتمال تعثر تمويل الحكومة الاتحادية، إذا أصر الديمقراطيون على ربط الموافقة على الميزانية بوقف تمويل العمليات العسكرية.
وتشكل هذه المبادرة اختباراً مبكراً لقيادة الحزب الديمقراطي، ممثلة في النائب حكيم جيفريز والسيناتور تشاك شومر، اللذين يسعيان إلى الحفاظ على موقعيهما القياديين مع انطلاق الدورة الجديدة للكونغرس.
شومر وجيفريز أمام اختبار مواقفهما السابقة
غداة الانتخابات النصفية، تعهد شومر بالعمل على إنهاء الحرب، مستنداً إلى الصلاحيات الدستورية للكونغرس في التحكم بالإنفاق، وقال: «كان الآباء المؤسسون يمتلكون سلطة الميزانية كأحد السبل لردع أي رئيس يشن حرباً دون موافقة الشعب الأميركي». لكن موقف شومر وجيفريز يواجه اختباراً سياسياً، بالنظر إلى تأييدهما السابق لإسرائيل ومواقفهما من الحرب على إيران.
ففي حزيران الماضي، انتقد شومر توقيع ترامب اتفاقاً مع إيران لإنهاء الحرب، ووصفه بأنه «فن الاستسلام». كما رفض جيفريز، بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية، استبعاد التصويت لصالح أي طلب محتمل من إدارة ترامب إلى الكونغرس لتخصيص تمويل إضافي للعمليات القتالية.
ومن ثم، فإن انتقال الديمقراطيين من تأييد بعض جوانب السياسة الأميركية تجاه إيران إلى المطالبة بوقف تمويل الحرب يضع قيادتي الحزب أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتهما على توحيد المواقف داخل الحزب، وتحويل نتائج الانتخابات إلى ضغط فعلي على البيت الأبيض.
أسابيع حاسمة أمام ترامب
هكذا، تبدو نتائج الانتخابات النصفية وكأنها أعادت خلط أوراق ترامب بشأن إيران، بعدما أقر بأن الحرب كانت أحد أسباب خسارة الجمهوريين، ليجد نفسه أمام خيارات أكثر محدودية، وسط تقارير عن تباين المواقف داخل إدارته بشأن كيفية التعامل مع الملف.
في الوقت الذي يترقب فيه المراقبون القرار الذي سيتخذه خلال الأسابيع المقبلة، تبرز مخاوف من أن تدفعه القيود السياسية الجديدة إلى تسريع خياراته العسكرية قبل انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين، بدلاً من التراجع عن التصعيد.
وتزداد هذه المخاوف في ظل التداعيات الاقتصادية المحتملة لأي عودة إلى المواجهة، خصوصاً على أسواق الطاقة التي شهدت بعض التراجع مدفوعة بآمال عدم تجدد الحرب. ومن شأن استئناف العمليات العسكرية أن يعيد الضغوط على أسعار النفط والطاقة، ويزيد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
وبين مساعي الوساطة الإقليمية، والضغوط الديمقراطية لوقف التمويل، واستمرار الخيارات العسكرية على الطاولة، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد مسار السياسة الأميركية تجاه إيران، في وقت لم تعد فيه قدرة ترامب على المناورة السياسية كما كانت قبل الانتخابات.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|