إقتصاد

لبنان باقٍ على اللائحة الرمادية لـFATF ... عشرة مطالب دولية تضع الدولة أمام اختبار الإصلاح والمحاسبة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

استمرار إدراج لبنان ضمن الدول الخاضعة للمراقبة المعززة يعكس تعثر معالجة ثغرات استراتيجية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وبين الإصلاحات المطلوبة والتحديات السياسية والمؤسساتية، يبقى السؤال: هل يمتلك لبنان الإرادة والقدرة على استعادة ثقة المجتمع المالي الدولي؟

لم يحمل اجتماع مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، الذي انعقد في باريس بين 28 و30 تشرين الأول 2026، أخباراً إيجابية للبنان، بعدما أبقى اسمه ضمن قائمة الدول الخاضعة للمراقبة المعززة، المعروفة باللائحة الرمادية، في خطوة تعكس استمرار المخاوف الدولية حيال فعالية النظام اللبناني في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويأتي القرار في وقت يواجه فيه لبنان تحديات اقتصادية ومالية ومؤسساتية غير مسبوقة، فيما لا تزال مسألة إعادة بناء الثقة الدولية بالقطاع المصرفي والنظام المالي تشكل أحد أبرز شروط التعافي الاقتصادي واستعادة الاستثمارات.

وفي بيانها، أقرت FATF بأن لبنان اتخذ خطوات لتحسين نظام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب منذ التزامه السياسي الرفيع المستوى في تشرين الأول 2024 بالتعاون مع المجموعة الدولية ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF).

وشملت الخطوات التي أشارت إليها إصدار تعليمات تتعلق بالتطبيق الفوري للعقوبات المالية المستهدفة، إضافة إلى تنظيم برامج توعية وتدريب للمؤسسات المالية وبعض الأنشطة والمهن غير المالية التي لا تزال تواجه صعوبات في فهم التزاماتها بهذا المجال.

إلا أن المجموعة اعتبرت أن هذه الإجراءات لا تزال غير كافية، مطالبة لبنان بمواصلة تنفيذ خطة العمل المتفق عليها، ومعالجة عشرة أوجه قصور استراتيجية.

عشرة مطالب تضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولياتها

تتوزع المطالب الدولية على مجموعة من الملفات المالية والقضائية والرقابية، وهي لا تقتصر على القطاع المصرفي، بل تشمل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والأنشطة الاقتصادية المختلفة.

أولاً، إجراء تقييمات دقيقة للمخاطر المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحديد السياسات والإجراءات اللازمة للحد منها.

ثانياً، تعزيز آليات التعاون القضائي الدولي، بما يضمن سرعة وفعالية تنفيذ طلبات المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المطلوبين واسترداد الأصول والأموال.

ثالثاً، رفع مستوى فهم المؤسسات والمهن غير المالية لالتزاماتها في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطبيق عقوبات فعالة ومتناسبة ورادعة على المخالفات.

رابعاً، ضمان تحديث المعلومات المتعلقة بالمستفيدين الحقيقيين من الشركات، وتعزيز الإجراءات والعقوبات التي تحول دون استغلال الكيانات القانونية لإخفاء الملكية أو مصادر الأموال.

خامساً، تحسين استخدام السلطات المختصة للمعلومات والتقارير التي تنتجها وحدة المعلومات المالية، وتحويلها إلى أدوات فعالة في التحقيقات.

سادساً، إظهار زيادة مستدامة في التحقيقات والملاحقات والأحكام القضائية المتعلقة بجرائم غسل الأموال، بما يتناسب مع حجم المخاطر الموجودة.

سابعاً، تحسين آليات استرداد الأموال المتأتية من الجرائم، وتعزيز القدرة على كشف وضبط عمليات نقل العملات والمعادن والأحجار الثمينة بصورة غير مشروعة عبر الحدود.

ثامناً، متابعة التحقيقات المرتبطة بتمويل الإرهاب، وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون مع الشركاء الدوليين.

تاسعاً، تحسين تطبيق العقوبات المالية المستهدفة دون تأخير، ولا سيما لدى المؤسسات غير المصرفية وبعض المؤسسات المالية غير المصرفية.

عاشراً، اعتماد رقابة موجهة ومبنية على المخاطر على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الأكثر عرضة للاستغلال في تمويل الإرهاب، مع ضرورة عدم عرقلة عمل الجمعيات الشرعية أو تثبيط أنشطتها الإنسانية.

وتكشف هذه المطالب أن التحدي الأساسي أمام لبنان لم يعد مرتبطاً بإصدار التشريعات والتعاميم فحسب، بل بقدرته على إثبات التطبيق الفعلي وتحقيق نتائج ملموسة على مستوى التحقيق والملاحقة والمحاسبة.

اللائحة الرمادية ليست عقوبات دولية شاملة

من المهم التمييز بين إدراج لبنان على اللائحة الرمادية وبين وضعه ضمن الدول عالية المخاطر الخاضعة لدعوة إلى اتخاذ إجراءات مضادة، والمعروفة باللائحة السوداء.

فالإدراج على اللائحة الرمادية يعني أن الدولة تعاني من ثغرات استراتيجية في نظام مكافحة الجرائم المالية، لكنها ملتزمة بالتعاون مع FATF لتنفيذ خطة عمل محددة ومعالجة هذه الثغرات ضمن مهل متفق عليها.

ولا يعني القرار فرض حظر مالي شامل على لبنان، أو منع التعامل مع المصارف والمؤسسات اللبنانية، أو وقف تحويلات المغتربين.

بل تؤكد FATF أن معاييرها لا تدعو إلى قطع التعامل مع فئات كاملة من الزبائن، وإنما إلى اعتماد مقاربة قائمة على تقييم المخاطر الفعلية.

ومع ذلك، فإن استمرار الإدراج قد يدفع بعض المؤسسات المالية الدولية إلى تشديد إجراءات التدقيق والتحقق من مصادر الأموال والعمليات المالية، الأمر الذي يمكن أن يزيد كلفة التعاملات ويؤثر في سرعة تنفيذها، وفقاً لتقييم كل مؤسسة للمخاطر.

القطاع المصرفي والتحويلات والاستثمارات أمام تحديات إضافية

يكتسب القرار أهمية خاصة بالنسبة إلى لبنان الذي يحتاج إلى إعادة بناء علاقاته المالية الدولية، بعدما تعرض قطاعه المصرفي لأزمة عميقة أدت إلى تراجع الثقة المحلية والخارجية به.

فالمصارف المراسلة الأجنبية تنظر عادة إلى مستوى الشفافية والرقابة والامتثال للمعايير الدولية عند تحديد طبيعة علاقاتها بالمؤسسات المالية في الدول الأخرى.

ومن هنا، فإن استمرار لبنان على اللائحة الرمادية قد يشكل عاملاً إضافياً يزيد صعوبة استعادة العلاقات المصرفية الطبيعية، خصوصاً إذا لم تترافق الإجراءات الرسمية مع نتائج عملية.

كما يمكن أن ينعكس ذلك على الشركات اللبنانية التي تتعامل مع الخارج، وعلى بعض عمليات الاستيراد والتصدير والتحويلات المالية الكبيرة، نتيجة طلب مستندات إضافية وإجراءات تدقيق أكثر تفصيلاً.

أما على مستوى الاستثمارات الأجنبية، فإن استمرار الثغرات الرقابية والقضائية يطرح تساؤلات حول حماية الأموال وشفافية الشركات والقدرة على استرداد الحقوق عند وقوع نزاعات مالية.

ولا يمكن إغفال أهمية تحويلات اللبنانيين في الخارج، التي تشكل أحد مصادر الدعم الأساسية للاقتصاد المحلي. ولذلك تشدد FATF على ضرورة عدم تعطيل التحويلات المشروعة والأنشطة الإنسانية نتيجة تطبيق إجراءات الرقابة.

البعد السياسي: هل تستطيع الدولة تطبيق القانون على الجميع؟

إلى جانب التداعيات المالية، يحمل استمرار إدراج لبنان أبعاداً سياسية ومؤسساتية لا تقل أهمية.

فمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تتطلب وجود مؤسسات قادرة على العمل باستقلالية وفاعلية، بعيداً عن الضغوط السياسية والمصالح المالية.

ولا يمكن بناء نظام رقابي موثوق إذا كانت المحاسبة انتقائية، أو إذا تعذر التحقيق في ملفات مالية بسبب نفوذ أصحابها أو ارتباطاتهم السياسية.

وتبرز هنا مسؤولية الحكومة ومصرف لبنان والقضاء ووزارة المالية والأجهزة الأمنية والجهات الرقابية، إذ إن تنفيذ خطة العمل لا يقع على عاتق مؤسسة واحدة، بل يحتاج إلى تنسيق وطني متكامل.

كما أن توسع الاقتصاد النقدي في لبنان بعد الانهيار المالي يزيد من صعوبة مراقبة حركة الأموال وتحديد مصادرها، ما يستدعي تعزيز أدوات الرقابة والتدقيق، دون المساس بالنشاط الاقتصادي المشروع.

وفي ملف تمويل الإرهاب تحديداً، لا يكفي تبادل الاتهامات السياسية أو الإعلامية، بل المطلوب تحقيقات مالية موثقة وإجراءات قانونية تستند إلى الأدلة، وتعاون فعلي مع الجهات الدولية المختصة.

ومن هنا، فإن القضية تتجاوز الجانب التقني لتلامس قدرة الدولة على ممارسة سلطتها الرقابية والمالية، وتطبيق القوانين على جميع الأفراد والكيانات دون استثناء.

ماذا يجب أن يفعل لبنان للخروج من اللائحة؟

إن الخروج من اللائحة الرمادية يتطلب الانتقال من مرحلة التعهدات والإجراءات الأولية إلى مرحلة إثبات النتائج.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأولويات:

1. إنشاء آلية وطنية موحدة للمتابعة: تتولى تنسيق عمل الوزارات والمؤسسات المعنية، وتحديد المسؤوليات والمهل ومتابعة تنفيذ المطالب العشرة.

2. تعزيز استقلالية القضاء وفعاليته: عبر تسريع التحقيقات المالية، وتحسين قدرات القضاة والنيابات العامة، وضمان عدم خضوع الملاحقات للتدخلات السياسية.

3. تحديث بيانات الشركات: من خلال ضمان معرفة المستفيدين الحقيقيين من الكيانات القانونية، ومراقبة دقة المعلومات المسجلة وتطبيق العقوبات عند تقديم بيانات مضللة.

4. تعزيز الرقابة على الاقتصاد النقدي: خصوصاً العمليات الكبيرة وحركة الأموال عبر الحدود، مع تطوير قدرات الجمارك والأجهزة المختصة.

5. تفعيل دور هيئة التحقيق الخاصة: وتحسين استخدام المعلومات المالية التي تجمعها وتحليلها، بما يتيح تحويل المؤشرات المشبوهة إلى تحقيقات عند توافر الأدلة.

6. تعزيز التعاون القضائي الدولي: والاستجابة الفعالة والسريعة لطلبات المساعدة القانونية وتبادل المعلومات واسترداد الأصول.

والأهم من ذلك كله، أن تقدم الدولة أدلة قابلة للتحقق على حصول تقدم مستدام، من خلال التحقيقات والملاحقات والأحكام القضائية والإجراءات الرقابية الفعلية.

أربع دول خرجت من اللائحة في الاجتماع نفسه

وفي مقابل استمرار إدراج لبنان، شهد اجتماع FATF الأخير خروج أربع دول من قائمة المراقبة المعززة، هي بلغاريا وساحل العاج وجمهورية الكونغو الديمقراطية وموناكو.

وجاء ذلك بعدما استكملت هذه الدول خطط العمل المتفق عليها وحققت تقدماً في معالجة الثغرات الاستراتيجية، أعقبته زيارات ميدانية للتأكد من أن الإصلاحات القانونية والتنظيمية والعملية أصبحت قيد التنفيذ.

وتشكل هذه التجربة دليلاً على أن الخروج من اللائحة ممكن، لكنه يحتاج إلى التزام سياسي ومؤسساتي مستدام، وإلى إثبات أن الإصلاحات لم تبقَ حبراً على ورق.

وبحسب آلية FATF، يتطلب رفع اسم الدولة معالجة جميع عناصر خطة العمل أو معظمها، ثم إجراء زيارة ميدانية للتحقق من تنفيذ الإصلاحات وتوافر القدرة المؤسسية والسياسية على استدامتها، قبل اتخاذ قرار الخروج في اجتماع عام لاحق.

الخلاصة: الاختبار الحقيقي هو الإرادة السياسية

إن استمرار لبنان على اللائحة الرمادية لا يشكل مجرد انتكاسة تقنية للقطاع المالي، بل يعكس أزمة أوسع تتعلق بفعالية المؤسسات وقدرتها على فرض الشفافية والمحاسبة.

فلبنان يحتاج إلى استعادة الثقة الدولية، ليس فقط من أجل تحسين علاقاته المصرفية، بل أيضاً من أجل تشجيع الاستثمارات وإعادة تحريك الاقتصاد وتعزيز موقعه في النظام المالي العالمي.

لكن تحقيق ذلك يتطلب إصلاحات تتجاوز إصدار القوانين والتعاميم، لتصل إلى جوهر المشكلة: استقلال المؤسسات، وفاعلية القضاء، ومراقبة حركة الأموال، ومحاسبة المخالفين.

وفي المحصلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد قرار 30 تشرين الأول 2026 ليس ما إذا كان لبنان قادراً تقنياً على تنفيذ المطالب الدولية، بل ما إذا كان يمتلك الإرادة السياسية والمؤسساتية لتنفيذها، حتى عندما تتعارض مع مصالح قوى مالية وسياسية نافذة.

فالمعركة الحقيقية للخروج من اللائحة الرمادية ليست مع FATF، بل مع أسباب الخلل التي حالت دون قيام دولة قادرة على تطبيق قوانينها واستعادة ثقة العالم بها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا