متفرقات

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تحديد موعد وفاتك؟ سؤال قد تندم على طرحه!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إخبارك بعدد السنوات المتبقية من حياتك؟ وهل ترغب فعلاً في معرفة الإجابة؟ سؤال يخرج تدريجياً من نطاق الخيال العلمي إلى واقع الأبحاث الطبية، مع تطور نماذج قادرة على تحليل المعلومات الصحية والشخصية وتقدير احتمالات البقاء على قيد الحياة بدقة متزايدة.

في مقال نشرته مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية، يطرح الصحافي جويل آخنباخ هذه المعضلة من خلال تجربته الشخصية مع التقدم في العمر، بعدما بلغ هو وزوجته ماري سن 65 عاماً، وبدأ يواجه أسئلة لم تكن تشغله سابقاً بشأن الشيخوخة والأمراض والتراجع الإدراكي والموت.

ويروي آخنباخ أن مستشاره المالي سأله قبل 8 سنوات عن العمر الذي يتوقع أن يبلغه، باعتبار أن متوسط العمر المتوقع عامل أساسي في التخطيط للتقاعد، ولا سيما عند اتخاذ قرار تأجيل الحصول على مستحقات الضمان الاجتماعي الأميركي. آنذاك، وضع المستشار خطة مالية تفترض وفاته في سن 80 عاماً، لكن هذا الرقم بدأ يثير قلقه، ما دفعه أخيراً إلى طلب تمديد عمره المفترض في الحسابات المالية.

وتعمّقت هذه الهواجس عندما قرر مع زوجته إعداد وصيتهما وترتيبات إدارة التركة والرعاية الطبية في نهاية الحياة. فقد اضطر الاثنان إلى اتخاذ قرارات مسبقة بشأن حالات صحية شديدة التعقيد، بينها الإصابة بمرض عضال يؤدي إلى الاعتماد الجسدي الكامل على الآخرين، أو اقتراب الوفاة رغم استخدام أجهزة دعم الحياة، أو الدخول في حالة إنباتية دائمة من دون توقع طبي معقول لاستعادة الوعي.

لكن التحول الأبرز جاء مع طبيبته الجديدة، التي أخضعته لفحوص إضافية ووصفت له أدوية جديدة، ما أدى إلى تراكم التشخيصات والملاحظات الطبية على ملفه الإلكتروني.

ويشير الكاتب إلى أن التقدم في العمر لم يعد يُقاس بعدد السنوات فقط، بل بعشرات المؤشرات الصحية، من ضغط الدم ومعدل ضربات القلب إلى الكوليسترول والسكر ووظائف الكبد والكلى ومؤشرات الالتهاب.

وأمام هذا الكم من البيانات، لجأ إلى برنامج الذكاء الاصطناعي "كلود" التابع لشركة "أنثروبيك"، طالباً تفسير نتائج فحص للقلب أظهر أن نسبة ضخ الدم في البطين الأيسر تراوحت بين 65% و70%، مع تضخم طفيف في عضلة القلب واضطراب بسيط في ارتخائها، إضافة إلى تسربات ضئيلة في بعض الصمامات.

وجاءه الرد مطمئناً، إذ أوضح البرنامج أن قلبه يضخ الدم بصورة طبيعية وقوية، وأن التغيرات المسجلة طفيفة وشائعة مع التقدم في السن، ولا تشير بحد ذاتها أو مجتمعة إلى قصور في القلب أو مرض خطير في الصمامات يستدعي علاجاً عاجلاً.

غير أن الكاتب يلفت إلى مفارقة مهمة: فالذكاء الاصطناعي قد يوفر إجابات مطمئنة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى مصدر دائم للقلق الصحي، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يميلون إلى مراقبة كل تغير في أجسادهم.

ويستشهد بتجربة الكاتب روبرت رايت، الذي استشار "كلود" بشأن نتائج فحوص أحد أقاربه، فنصحه بالتوجه فوراً إلى قسم الطوارئ. لكن برنامج "جيميناي" التابع لغوغل قدّم تقييماً مختلفاً، معتبراً أن الوضع لا يستدعي الذعر.

وتبيّن لاحقاً أن تقييم "جيميناي" كان صحيحاً، فيما ساعد "تشات جي بي تي" على تفسير سبب الاختلاف، مشيراً إلى أن إحدى القيم المخبرية المثيرة للقلق لا بد أنها كانت خاطئة بالنظر إلى بقية النتائج.

وتكشف هذه الواقعة إحدى أبرز مشكلات استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي: فالنماذج المختلفة قد تقدم استنتاجات متناقضة انطلاقاً من المعلومات نفسها، ما يجعل الاعتماد عليها من دون تقييم طبي متخصص أمراً محفوفاً بالمخاطر.

لكن المسألة الأكثر إثارة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على توقع العمر المتبقي للإنسان.

فبحسب الكاتب، توفر إدارة الضمان الاجتماعي الأميركية تقديرات للعمر المتوقع استناداً إلى عاملين فقط، هما الجنس وتاريخ الولادة. وبالنسبة إلى رجل من مواليده، تشير الحسابات إلى متوسط عمر متبقٍ يبلغ 18.7 سنة، أي إلى عمر يقارب 84.5 عاماً، ما يضع موعد الوفاة الإحصائي المتوقع حول تموز 2045.

إلا أن تطور الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام تقديرات أكثر تخصيصاً، من خلال تحليل التاريخ المرضي والنتائج المخبرية والمؤشرات الحيوية، ومقارنتها بمجموعات ضخمة من البيانات الصحية.

ويشير تقرير "ذا أتلانتيك" إلى دراسة علمية نُشرت في مجلة تابعة لمجموعة "ذا لانسيت"، تناولت نموذجاً يستطيع توقع فرص بقاء مرضى السرطان على قيد الحياة اعتماداً على صورة فوتوغرافية واحدة.

كما سبق أن أثارت نماذج أخرى لتوقع الوفاة، بينها أنظمة تعتمد على التعلم الآلي وتحليل البيانات الشخصية، اهتماماً إعلامياً واسعاً.

ومع ذلك، يشدد الكاتب على أن هذه التوقعات تظل تقديرات احتمالية مستندة إلى البيانات، وليست معرفة مؤكدة بموعد وفاة شخص بعينه.

وهنا تبرز معضلة تتجاوز الطب والتكنولوجيا إلى الخصوصية والحقوق الفردية.

فإذا جمع أحد برامج الذكاء الاصطناعي التاريخ الطبي الكامل لشخص ما، وحلّل فحوصه وأمراضه وعاداته اليومية، فقد يتمكن نظرياً من إنتاج تقدير شخصي لاحتمالات وفاته. لكن من يضمن حماية هذه المعلومات الحساسة؟ وماذا لو وصلت إلى شركات التأمين أو أصحاب العمل، واستخدمت لاتخاذ قرارات تؤثر في حياة الشخص ومستقبله؟

ويعترف آخنباخ بأنه فكر جدياً في مطالبة "كلود" بتحليل جميع بياناته الصحية وتقديم تقدير مباشر للمدة المتبقية من حياته، لكنه قرر التراجع.

فالمشكلة، بالنسبة إليه، ليست تقنية فقط، بل نفسية وإنسانية أيضاً. إذ يرى أن معرفة موعد الوفاة المحتمل قد تتحول إلى عبء دائم، يدفع الإنسان إلى عدّ السنوات والأشهر والأيام بدلاً من الاستمتاع بالحياة.

ويستحضر في هذا السياق مبدأ معروفاً في أخلاقيات الطب منذ عقود، هو "الحق في عدم المعرفة"، أي حق الإنسان في اختيار عدم الاطلاع على بعض المعلومات المتعلقة بصحته ومستقبله.

ويعتبر أن بقاء المستقبل غامضاً ينبغي أن يكون حقاً إنسانياً أساسياً، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص المعرضين للقلق المفرط.

وللمفارقة، يجد الكاتب نموذجاً مختلفاً في شقيقه البالغ 67 عاماً، الذي لا يهتم بوضع خطط تفصيلية لنهاية حياته، ويفضل التركيز على صحته ونظامه الغذائي والاستمتاع بالحاضر.

وعندما سأله عن استعداداته للشيخوخة، أجابه بأنه يفضل أن يعيش كل يوم كما يأتي، من دون ندم أو انشغال مستمر بما ينتظره.

حتى إن شقيقه يتبع نظاماً غذائياً دقيقاً، يبدأ بتحضير الشوفان قبل يوم وتركه ليبرد طوال الليل، ثم إضافته إلى وجبة إفطار تضم اللبن اليوناني الخالي من الدهون والسكر، والتوت الأزرق العضوي، والقليل من شراب القيقب، والجوز، وقطع الشمام والخوخ.

وينتهي آخنباخ إلى مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي تتسابق فيه التكنولوجيا نحو امتلاك قدرة أكبر على التنبؤ بمصير الإنسان، قد تكون الحكمة في عدم طرح بعض الأسئلة أصلاً.

فالذكاء الاصطناعي قد يصبح يوماً أكثر دقة في تقدير المدة التي يمكن أن نعيشها، لكنه لا يستطيع أن يقرر نيابة عنا ما إذا كانت معرفة هذا الرقم ستجعل حياتنا أفضل، أم ستسرق منا راحة العيش من دون التفكير المستمر في نهايتها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا